عروبة الإخباري –
في زمنٍ ينوء فيه لبنان بثقل المحن، ويقف شعبه على تخوم اليأس والرجاء، يطلّ صوت الجنوب كأنشودة صامدة تشقّ العتمة. ليس الجنوب في هذا السياق بقايا جغرافيا موجوعة، بل قلب نابض بالإيمان، يقدّم ذاته كقربان على مذابح التاريخ. ومن عمق هذا الواقع، تشع كلمات الكاتبة باسكال حرب، كصلاة مكتوبة بالوجدان، تحملُ أمانة رعيةٍ صابرة، وتستحضر حضور الحبر الأعظم كنسمة بركة على أرضٍ تفتّشت فيها الذاكرة بين خطوات المسيح ودموع المتألمين.
إن ما ترفعه الكاتبة ليس مجرد رجاءٍ منطوق، بل هو موقف روحاني سامٍ يضع الجنوب أمام العالم بكرامة الشعوب التي لا تنطفئ، ويستحضر في آنٍ واحد هيبة الرسالة الرسولية ووجدان الأرض التي لم تخن عهدها يومًا. في هذا الإطار يأتي التعقيب التالي، ليضيء على جلال النص وروحه، وليمنح رسالتها المهيبة الركن الأوسع الذي تستحقه.
وتغدو كلمات الكاتبة باسكال حرب، في هذا النص، أشبه بتراتيل تندفع من عمق الجنوب كالبخور الصاعد من مذابح التاريخ. ليست رسالةً فحسب، بل وقفة روحية شامخة، تُنطَق بجرأة الوجدان المصلوب وبفخامة الشعوب التي لا تنحني سوى أمام الله.
لقد رفعت الكاتبة صوت الجنوب من دائرة الجغرافيا إلى رحابة الرسالة، ومن حدود الأرض إلى أعتاب السماء. فجنوب لبنان في نصّها ليس رقعةً مُهمَّشة، بل مسرح سرّ؛ أرضٌ مشت عليها خطوات المسيح وتفيّأت فيها العذراء، وبقي أهلها أمناء للعهد مهما تعاقبت الحروب وتكاثفت الأوجاع. لقد أعادت الكاتبة إحياء هوية الجنوب كـ وديعة إيمانية لا تُكسر، وكنفٍ لشعبٍ عرف كيف يُنبت الصليب في صخر المعاناة.
إن الالتماس الذي ترفعه إلى قداسة الحبر الأعظم لا ينبع من حاجةٍ عابرة، بل من صرخة شعب تُريد أن تُسمَع لا أن تُرثى؛ شعب يصنع الرجاء من الرماد، ويرفع الوطن كقربانٍ يوميّ، ويؤمن بأن كلمة راعٍ أعلى قادرة أن تعيد ترتيب المسافات بين الألم والبركة. ففي رسالتها، تضع الكاتبة الجنوب في صلب العناية الرسولية، لا كاستثناء، بل كجزء حيّ من جسد الكنيسة الجامعة.
وتكمن قوة النص في قدرته على الجمع بين هيبة الخطاب الروحي وثراء الوجدان اللبناني. فالمقالة تتجاوز حدود التعبير الأدبي لتتحوّل إلى وقفة نبويّة، تُذكّر بأن لبنان—بجنوبه وشماله، بمدنه ووديانه—ما يزال أرضًا مُختارة، تُحفظ بعناية السماء مهما اشتدَّت الظلمات.
إنها ليست مجرد كلمات؛ إنها مرسوم رجاء، وصكّ كرامة، ونشيد إيمان. مقالة تُقرأ كوثيقة، وتُحسّ كصلاة، وتبقى كختمٍ نبيل على صبر الجنوب وشموخه.
