الإعلامية باتريسيا سماحة
في لحظات كثيرة، منوقف قدّام الحياة وكأنّو الزمن مجمّد حوالينا. منكون واقفين عـ طريق ضيّق بالجبل، أو عـ درابزين بلكون قديم، والهوى عم يمرّق على مهل، حامل ريحة شي صادق… شي منسبيه، شي منشعر إنّو من قلب هالأرض اللي ربّتنا.
بهالأوقات، الروح عادة بتكون عم تهتف من جوّا: “وقف شوي… سمّعني.”
اللبناني، مهما تغيّرت الظروف وقست الأيام، عندو هالقدرة الغريبة: من تحت كل تعب، بيطلع نور. من قلب كل وجع، بيطلع درس. ومن كل ضياع، بيطلع طريق جديد. يمكن لأنّو نحنا شعب عاش على حدود بين الجبل والبحر، بين الثبات والمشيئة، بين الجرح والأمل… وتعلّم يفهم اللغة الصامتة للروح.
البدايات الهادئة: حيث ينكشف الداخل، الروح ما بتصرخ، الروح تهمس.
بتوجّهنا صوب مقاعد صغيرة يمكن ناسيينها: فوق سطح بيت الطفولة، عند زاوية كنيسة أو جامع، أو على صخرة مطلّة على وادي قديم.
بهالمساحات الهادية، منسمع لأول مرة هالأسئلة اللي كنا نهرب منّا: وين رايح؟ شو بدي؟ ليه عم حسّ هيك؟ شو ناقصني؟ والأجمل؟ إنو ولا جواب بيجي من برّا.
كل الإجابات بتطلع من جوّا… من ذات عميقة لاحقًا منكتشف قديش كانت حكيمة.
السلام الداخلي: مش هدية… ممارسة، في ناس بتفتكر إنّو السلام الداخلي شعور بيجي فجأة، بس الحقيقة؟ هو مشوار طويل.
متل درب جبلي بعد مطر، بدّك تعرف وين تحط رجلك، وين توقف، وكيف تكمّل بدون ما توقع.
السلام الداخلي بيبدأ من قرارات صغيرة: خطوة منسامح فيها حالنا، لحظة منحكي مع قلبنا بلطف، مش بقسوة، دقيقة منعترف فيها إنو نحنا مش لازم نكون كاملين.
ساعة منترك فيها “العجقة” برا وناخد نفس طويل، وهيك… شوي شوي… يبنى جوا كل واحد منّا معبد صغير.
معبد من الهدوء.
من الطمأنينة.
من معرفة الذات.
من ثقة إنّو الله حاضر، وإنّو الظروف مهما كانت… ما بتلغي النور.
الروح اللبنانية: قوة ولين معًا، في سرّ بقلوب اللبنانيين: صرنا نعرف نضحك من قلب الوجع، ونعطي حتى لما منكون بضيق، ونوقف حتى لما منكون تعبانين.
هيدا مش ضعف… هيدا روح، روح ما بتنطفي.
متل أرز لبنان: بتطوّل، بتتعب، بس ما بتميل.
يا ما مرق علينا أوقات، وقولنا “خلص، ما بقى في طاقة”.
بس بيرجع بيطلع جوا القلب شي… نسميه نحنا “العزم”، “الهمّة”، أو “النيّة الطيّبة”.
وبقوم… ومنكمّل.
لحظات الكشف: لما يحكي النور
يوم من الأيام، وبدون ما نعرف ليه، منتطلّع من شباك غرفة، أو من فوق تلة، ومنشوف الدنيا بشكل تاني.
منحسّ إنو في شي تغيّر:
صوتنا الداخلي صار أوضح،
نفسنا صار أهدى،
وهمّنا صار أخفّ.
بهاللحظة، منعرف إنّو روحنا عملت نقلة.
إنّو صار في نقطة توازن جديدة.
مش كاملة… بس حقيقية.
الطريق لقدّام: خطواتنا تصنع نورنا
إذا حسّيت يوم إنّو الدنيا عم تضيق عليك، تذكّر هالكلمة: السِعة من جوّا، مش من برّا.
ما فيك تتحكّم بالدنيا، بس فيك تتحكّم بالمساحة اللي تعطيها لقلبك.
فيك تختار كيف تتعامل مع الظروف، كيف تفكّر، وكيف تحبّ.
وابني سلامك شوي شوي، متل اللي عم يرتّب حديقة صغيرة حد بيته،
بيهتمّ فيها يوم… يومين… أسبوع…
وبعد فترة، بيكتشف إنّو صارت أوسع، وأحلى، وأنضر ممّا توقّع.
جذور بالأرض… وضوّ للسماء
الروح الجميلة مش اللي بتحكي كتير، ولا اللي بتعرف كل الإجابات.
الروح الجميلة هي اللي بتعرف توقف على رجليها،
وتغمض عيونها، وتتلفّت لجوا، وتتذكّر إنّو فيها نور…
ومهما صار، هالنور مش رح يتوقّف.
كون مثل أرزتك: جذورك ثابتة بالأرض… وضوّك طالع صوب السما.
