في صفحات التاريخ تضيء أسماء الرجال الذين لا يمرون مرور الكرام، رجالٌ تصنعهم اللحظة وتظل ذكراهم شعلة تهتدي بها الأجيال، رمزًا للكرامة والوطنية والصدق، ومن بين هؤلاء، يظل الشهيد وصفي التل منارة مضيئة على جبين الأمة، نموذج الزعيم الذي يعرف أن الوطن ليس شعارات تُلقى، بل دم يُسكب، وجهد يُبذل، وقيم تُحرس مهما عصفت الرياح وصخب الأزمنة.
اغتالته يدُ الغدر والخيانة، لكنهم لم يدركوا أن الرصاص لا يقتل وطنًا يسكن في ضمير الرجال، فرحيله لم يكن نهاية لمسيرة الشجاعة أو الوفاء، بل بداية لأسطورة خالدة في وجدان الأمة، درس لكل من يظن أن القوة تكمن في المكائد أو المصالح الشخصية.
الشهيد وصفي التل لم يُصنع ليُنسى، بل ليظل نبضًا يهدي الأجيال، وصرخة صامتة لكل من يريد أن يعرف معنى الوطنية الحقيقية: الصدق، التضحية، وحب الوطن فوق كل اعتبار.
الشهيد وصفي التل، كان مدرسة وطنية قائمة بذاتها، علمت الأمة معنى الولاء والانضباط والوفاء، كان الرجل الذي يمشي بين الناس بثبات، ويقود الدولة بحكمة وصرامة، دون خوف من المعارضة الجوفاء والعملاء المرتزقة، ودون ميل نحو الذات أو المنافع الشخصية، ففي غياب زعاماته، يشعر الجيل الحالي بفراغ كبير، فراغ الموقع الذي لم يملأه أحد، فراغ القيم التي جسدها، فراغ الشجاعة والنزاهة التي تحتاجها الأمة أكثر من أي وقت مضى.
وعلى الرغم من اغتياله، ما زالت ذكراه بقيت أشد حضورًا من غيابهم، وأعمق أثرًا من جراح الزمن؛ فالرجال الذين يعيشون من أجل وطنهم لا يموتون، بل يتحولون إلى نور يهتدي به الحائرون، ولحن يرنّ في قلوب الذين يسعون لإعادة الكرامة والقيادة الوطنية الحقيقية. ذكراه صرخة في وجدان الأمة: أن الزعامة الحقيقية ليست في المناصب أو الألقاب، بل في الصدق مع النفس والوطن، في الجرأة على القرار الصائب، وفي حب الوطن الذي لا يتراجع أمام أي تحدٍ.
رحم الله الشهيد وصفي التل، ذلك الرجل الذي جعل من الوطنية رسالة، ومن الشجاعة نهجًا، ومن النزاهة عنوانًا. رحم الله من يسير على خطاه، ومن يجعل من الوطن قلبًا نابضًا لا ينطفئ، ومن يترك للأجيال القادمة رجالًا يُذكرونهم بالفخر لا بالندم.
فالأمة التي تتذكر، تتعلم، وتستلهم من ذكراها، هي الأمة التي تبقى صامدة وشامخة، وتظل النار التي تهتدي بها الأجيال، حتى يأتي من يخلف الرجل العظيم بروح مثله، وصدق قلبه، ووفاءه للوطن
ذكراه نار تهتدي بها الأمة… الشهيد وصفي التل رمز الزعامة الوطنية المفقودة* الدكتور محمد ابو هديب
8
