عروبة الإخباري –
ما معنى أن يُشاهَد خبرٌ، وأن يُقرأ، وأن يُتداول، حتى يلامس خمسين ألف روح في وقت يكاد لا يتّسع لالتقاط الأنفاس؟
معناه أن الكلمات التي قيلت لم تكن كلمات… كانت مرآةً يهوي إليها الناس كي يروا وجوههم الضائعة.
كانوا يبحثون عن شيء يشبههم، يشبه غضبهم، يشبه أملهم الضعيف الذي لم يمت بعد… فلما وجدوه، التفّوا حوله كما تلتف العصافير حول غصن نجى من الريح.
في هذا الرقم، تكمن حكاية وطن يفتّش عن صوته بكل الطرق، حتى لو كان صدى في لقاءٍ واحد.
باتريسيا سماحة… أنيقة كقَدَرٍ يعرف إلى أين يقودك
في حضور باتريسيا سماحة، بدا الحوار وكأنه سفرٌ صامت عبر طبقات المعنى.
سؤالها ليس سؤالًا؛ هو مفتاح تُفتح به نوافذ الرؤية.
وهي حين ترفع عينيها نحو الضيف، تفعل ذلك كما ترفع الشمعة رأسها في غرفةٍ مغمورة بالعتمة، بلا خوف، بلا ارتباك، وبكل الإيمان بأن الضوء لا يجوز أن يعتذر لأنه ضوء.
إطلالتها كانت قصيدة منسوجة بخيوط ثقة؛ لم تتكلّم لتنتصر، بل لتمنح للحقيقة فرصة أن تقف على قدميها، وللمشاهد فرصة أن يصدّق أن الإعلام ما زال قادرًا على أن يكون بيتًا نظيفًا من الغبار.
بولا يعقوبيان… امرأة تفتح الكلام كما تُفتح نافذة على عاصفة
حين تحدّثت بولا يعقوبيان، لم تتكلم… بل قصفت الصمت بقواميس كاملة من الوضوح. فقد بدت كمن يحمل في صدره شمسًا ظُلِمت طويلًا، فلما حان وقت خروجها، خرجت دفعة واحدة، بلا ظل، بلا خوف، بلا حسابات.
في كلماتها، كانت الحقيقة تمشي حافية، لا تخشى شوك الطريق، وكانت الجرأة تكاد تُرى كما تُرى الشرارة الأولى في فجرٍ يولد.
كانت تعرف أن الوطن ليس بحاجة إلى من يهوِّن عليه الظلام، بل إلى من يُسمِّيه ظلامًا كي يبدأ الضوء.
خمسون ألف قارئ… خمسون ألف شاهد على لحظة لا تتكرّر
هذا الرقم لم يكن حدثًا إحصائيًا؛ كان هتافًا خفيًا قاله الناس دون أن يرفعوا أصواتهم: “أخيرًا… حوارٌ يشبهنا.”
خمسون ألف عين لم تجتمع صدفة، لقد جمعها:
عطشٌ قديم لجرعة صدق.
وجعٌ موروث يبحث عن منبرٍ لا يساوم عليه.
طاقة أمل صغيرة تشتعل كلما وُجد من يقول الحقيقة دون ريش تجميل.
كان يمكن أن يبقى هذا اللقاء مجرد مقابلة…
لكنّه صار حدثًا، ثم ظاهرة، ثم لحظة شعرية في ذاكرة الإعلام.
حين تلتقي امرأتان… تتنفّس البلاد قليلًا
باتريسيا وبولا لم تكونا محاوِرة ونائبة… كانتا نبرتين متقابلتين في قصيدة واحدة: إحداهما تسأل كي تمنح المعنى أجنحته، والأخرى تجيب كي تمنح الوطن طريقه.
وفي تلك اللحظة، بدا وكأن لبنان نفسه جلس بينهما، يستمع، يتنفّس، ويحاول أن يصدّق أن الكلمة، حين تكون شريفة، تستطيع أن تحرّك حجارة وطنٍ أثقلته الأكاذيب.
