ما من مؤمن على وجه البسيطة، وبأي رسالة سماوية كانت أم أرضية، إلا وأقر بأن النعم لا تعد ولا تحصى، وأنها أكثر من أن يتم حصرها في وجبة واحدة في يوم من بين ثلاثمئة وخمسة وستين يوما يصادف اليوم، ألا وهو آخر خميس في شهر نوفمبر.
«عيد الشكر» وثقافته ارتبطت عبر التاريخ بالمائدة. الخبز (العيش) والملح مهم، لكن الأكثر أهمية هي المائدة التي تجمع الأحباء، فتحقق بذلك التغذية الروحية والنفسية وحتى الجسمية لأي وجبة كانت، ديكا «حبشيا أو روميا» -الوجبة التقليدية في عيد الشكر- أو منسفا باللحم الضأن والسمن والجميد البلدي في رمضان المبارك وعيد الفصح المجيد، عيد القيامة.
ثقافة الشكر على النعم، وحمد الخالق على وجودها ودوامها محل إجماع، لكن ما قد نكون بحاجة إليه أحيانا هو تذكير أنفسنا أنه «بالشكر تدوم النعم»، بمعنى التعبير الدائم عنها علانية، وليس في خلوتنا للصلاة أو التأمل. كما أن هناك حاجة إلى إفشاء السلام، ثمة حاجة ملحة للتعبير عن الشكر في صيغة مطلع ذلك النشيد المدنيّ خلال استقبال أهل يثرب التي صارت المدينة المنورة، الرسول الكريم ومن في معيته من المهاجرين الأوائل من مكة المكرمة. «وجب الشكر علينا»..
الشكر واجب في حياتنا اليومية، لو ملكنا لشكرنا الله سبحانه مع كل طالع نفَس، مع كل طالع شمس. نِعم يعرف قدرها مرضى الأمراض التنفسية ومن يعانون من التلوث البيئي، ومن لا تشرق الشمس في بلادهم إلا قليلا أو بدفء فاتر. من موجبات النعم والمدرّات المزيد منها، غياب الشكوى والملامة والإصرار على منغصات الفرح! كمن أدمن التأفف في انتظار النعم ولما أتت بعد طول رجاء، تناساها. يصلي البعض الاستسقاء ويتأفف من تجمع الماء في زقاق أو شارع فرعي كان أم رئيسيا، وتلك حالة تعرفها حتى أغنى الدول في العالم والشرق الأوسط، فالسيول الجارفة لا كبير أمامها! هذا قطعا لا يعني عفوا كاملا ولا جزئيا عن أي تقصير في إجراءات الاستعداد للحالات الطارئة ومنها المتعلقة بالطقس.
عن سوء نية أو جهل، لطالما قامت مهن بتغذية ثقافة الشكوى، وعلو الصوت فيها لحد اعتبارها جرأة أو بالأحرى جراءة، كما في بعض المنابر الإعلامية أو السياسية والدينية. في المقابل، قصّر بعض الأهالي والتربويين وقادة المجتمع، في التعريف بثقافة الشكر وآليات التعبير عنه بالكلمة الطيبة أو الابتسامة البريئة الوقورة للجميع بمن فيهم من ظنهم غرباء.
من الآخر، مسك الختام في حياتنا الدنيا أن نلقى الله شاكرين حامدين، يذكرنا الناس أننا بادرنا حتى في أشد الظروف وأدقها، إلى رؤية ما هو جميل وخير في كل شيء، فكنا ممن أبقى لسانه عفيفا رطبا بذكر الله، أي بحمده، وحمد من يستحق الشكر والثناء من عباده الصالحين، وهم كثر -ولله الحمد- في أردننا الحبيب، هذا الحمى الهاشمي المفدى.
