سيكون من نافلة القول، الإسهاب في تعريف شطري الافتراض أعلاه، وهو في حقيقة الأمر اقتراح، ولربما نداء.
القوى الناعمة لا حيل لها ولا عزم القوى الخشنة، لكنها تنوب عنها أحيانا، وتمهد لها أحايين أخرى، وهنا مكمن الخطر، أو لنقل الحاجة الماسة إلى إيلائها ولو أعشار العشور التي تنفق بسخاء على امتلاك وتوظيف القوى الخشنة، بمعنى القوة العسكرية والأمنية.
القاسم المشترك الأعظم، لا بل والجوهر الواحد بين القوى الخشنة والناعمة، إنما هي الإرادة التي لا تقوم لها قائمة دون وضوح الرؤية، وزخم العزم، الذي لا يقوم بدوره ولا يدوم إلا على ركيزتي الثبات والمرونة، في آن واحد. لا بد من ثوابت تقابلها حرية الحركة -مبادرة واستجابة- لمتغيرات تحاكي طبيعة الزمان والمكان والبشر والأشياء.
منذ اختراع ألفرد نوبل جزاه الله على نواياه الحسنة، وغفر لمن أساء استخدام البارود، منذ ذلك التاريخ الحديث نسبيا وما قبل التأريخ البشري، وصولا إلى الجريمة الأولى التي قتل فيه الأخ أخاه الوحيد، والشيطان الرجيم وأدواته الملاعين، لا يعدمون حيلة للقتل والإرهاب والفوضى والخراب تحت مسميات عدة. أول الجرائم كانت وستبقى مكبّلة بالغرائز التي لا عاقل لها ولا ضمير يعقلها، كالحسد والجشع وشهوة الامتلاك والتحكم والنزعة إلى التفرد والسيطرة والاستغلال، إلى آخره من الأمراض التي لا زالت تعاني من ثمارها الخبيثة، البشرية.
صار البارود ماء وهواء وشعاعا فقد وصلنا إلى ما بعد القنبلة النووية والهيدروجينية والعنقودية والفراغية. صارت الصواريخ والمقاومات الأرضية الليزرية، ورافقت كل تلك الشرور الحرب السيبرانية بأنواعها والتي بلغت حدا تدميريا أكثر فداحة مما سبق كما توقع إيلون ماسك عندما حذر من إساءة استخدام أو تغول الذكاء الاصطناعي والروبوتات (الكائنات الآلية) بحيث تشكل «خطرا وجوديا» على الإنسان. قديما قتل الأخ أخاه، والآن ربما تحققت «الكارما» كما في الفلسفة الهندية القديمة، فيقتل المصنوع صانعه!
إن كان مجرد استحداث أو تفعيل خاصية في تطبيق واحد على منصة واحدة قد أحدث كل تلك التداعيات التي ما زلنا نشهدها منذ كشف موقع الحسابات الكاذبة أو المزيفة، فما الذي مازال مخفيا عنا في تطبيقات أخرى.
نأخذ مثالا تجاريا بحتا، لا علاقة له بالسياسة ولا بأي ملف حساس آخر. كيف تمكنت «ميتا» من توظيف الذكاء الصناعي في الترجمة ومعرفة مكان إقامة متصفح «الفيسبوك» و»الإنستغرام» ومنافستها التي كانت في خصومة شديدة معها «إكس» -تويتر سابقا- كيف تمكنوا جميعا من معرفة إحداثيات سكن المستخدم – المستهلك حيث تقدم له دعايات عن سلع من وراء البحار، خاصة من الصين والهند، مترجمة إلى لغة الاستخدام الأساسية، وبمحتوى دعائي يتماشى مع الخط الفكري والتوجهات الدينية والسياسية والحزبية للمستهلك؟
ما عاد سرا أهمية وتشابك أدوار منصات التواصل الاجتماعي الجيل المتقدم بأشواط على الإعلام التقليدي الذي كان مركزيا محليا فصار فضائيا «مُعوْلَما»، بدأ بالبث التقليدي عبر أطباق فأقمار، فقضبان ضخمة من حزم الأسلاك في قعر المحيطات والبحار والأراضي، مخترقا الحدود والمباني وحتى جدران غرف نوم قاطنيها «المستهلكين».
من تلك الأدوار كانت الثورات الملونة وقبلها كانت حمراء فقط، بعدها ابتكر سكان الأبراج العاجية تسمية الثورة البيضاء زعما أن الإصلاح كالخراب منشؤه أو مبتغاه واحد، وقد كذبوا تاريخيا وفي سائر أرجاء المعمورة. لا دماء بريئة تسفك ولا فوضى هدامة دامية مبررة تحت أي ذريعة ومن أجل أي هدف كان، وإلا كانت الجريمة كما بدأت، عوضا عن قتل الأخ أخاه، يقتل الجميعُ الجميعَ، وكل حزب بما لديهم فرحون!
ليست القاذفات والمقاتلات الشبحية وحدها التي استحقت عن جدارة عضوية الجيل الخامس ك «إف-خمسة وثلاثين»، فثمة قوى ناعمة تستحق ربما أكثر، ربما الجيل السادس والسابع! وإن كنا لا نملك المليارات لشرائها، فبأيدينا ما هو أكثر فاعلية وأوفر بكثير. زرع المناعة الذاتية في الوطن والمجتمع والأسرة والفرد، ضد كل أشكال وتجليات القوى الناعمة والخشنة، بجميع أجيالها الراهنة والمتخيّلة في زمن الذكاء الاصطناعي. الجيل الخامس من السلاح بأيدينا، بحواسنا الخمس تحرسه تلك الحاسة السادسة، الحدس الذي في صدورنا ورؤوسنا.
