سلطان الحطاب
وفي هوية المكان وسرديته المتاحة، يمكن التوقف عند معان، العاصمة الأولى للأردن وموقع مرابطة المؤسس الأمير عبد الله الأول، ومركز من مراكز سكة الحديد الى الحجاز، حيث غابت مدينتان بعد أن كانت على طريق الملوك الى مصر، وهما الكرك والشوبك، لتبرز مدينتان على سكة الحديد وبفضلها وهما عمان ومعان.
كتبت عن معان كتابي بعنوان “معان لينا وحقها علينا” والذي رعته شركة الفوسفات بعناية من رئيس مجلس إدارتها الدكتور محمد ذنيبات، ليصدر في طبعة أنيقة. ولمعان تاريخ طويل وسردية يعتز بها الأردنيون، وفيها متحف فيه شعار الإمارة، وأيضاً رسالة الرسول (ص) الى فروة الجذامي الذي كان موفداً الرسول للغساسنة وهرقل وفيه وثيقة وهي عهدة هامة بين شيوخ معان والشريف حسين بن علي وملاقاتهم الثورة العربية ودعمها لتنتصر.
وكان الأمير عبد الله الأول في طريقه الى معان حين أوفد اليها مبعوثه، فؤاد سليم، ليسلم رسالة قدومه الى علي خلقي الشراري، وفيها، “نبشركم أن الأمير عبد الله وصل اليوم الى معان، ونيته بإجراءات شديدة على انه يفضل أن يجتمع بزعماء البلاد ورجال النهضة قبل الشروع بالتحركات، “وجاءت الرسالة موقعة باسم، فؤاد سليم، (للعلم فؤاد سليم درزي) مبعوث الأمير لزعماء القبائل.
وفي تاريخ السردية عن معان، امتداح الأمير للمكان المعاني وأهله، وقد قال بعد وصوله “معان كرامتي وكلما ضاق صدري نزلت الى معان،، معان الحجر الألمع في هذه البلاد”، وأنشأ فيها منزلاً ريفياً كان يلتقي فيه ابناءها الذين أحبهم ووصفهم بالأهل والعزوة والقوة والمنعة لنظام هاشمي يعطر الزمان والمكان”.
وفي السردية ايضاً أن معركة معان كانت من أكبر وأطول المعارك في تاريخ الثورة العربية الكبرى.
وفي معان ومن قصره، حيث محطة القطار، أصدر الأمير عبد الله الأول صحيفة “الحق يعلو”، وهي أول صحيفة تحمل الصوت الأردني وصداه القوي مبشرة بمشروع الأمة المعاصر للتحرر والوحدة والحياة الفضلى والانعتاق العربي وقد صدر منها اربعة اعداد عام 1920.
ومن معان انطلق الأمير بعد عدة اشهر قضاها في معان الى عمان، مروراً بالقطرانة والجيزة بالقطار ليصل الى عمان في 20 / 3 / 1921، ومن هذا التاريخ بدأ بتأسيس الدولة الأردنية وفي معان بدأ تاسيس نواة الجيش العربي الأردني من خلال الفرسان المسلحين الذين رافقوا الأمير وانضموا اليه، وكانت القوة مكونة من 1500فارس حفظوا الأمن والنظام.
أما تاريخ معان القديم الذي تتبعناه، فقد كان في عهود، سبا وحمير في اليمن وعادت مسيرتها في عهد الأموين حين كانت عاصمتهم في دمشق، وفي العهد العثماني، بدات معان تزدهر بوصول السكة الحديد اليها، وحين دمرّ خط السكة تراجعت معان بفرض الانتداب البريطاني عليها وأصبحت طرقها سيئة، وفي العهد العباسي شهدت معان تنظيم الدولة العباسية، وانطلاقها في منطقة الحميمة، حيث كان الى جوارها موقع التحكيم المعروف، وموقع أذرح، ثم في العهد الحديث كانت معان هي العاصمة الأولى منذ وصول الأمير اليها الى أن أصبحت عمان.
وكتب الرحالة الشهير، بيركهارت، الذي زارها، وقال، “انه لاحظ أن أهل معان لم يصبحوا وهابيين، كغيرهم من ابناء المنطقة، رغم انهم الأقرب الى نجد، إذ قاوموا وحموا أنفسهم ولم يدفعوا الخاوات ولم يجاملوا الوهابية على حساب مذهبهم، في حين جاملت مدن أخرى، “ووصفهم، أي أهلها، الرحالة الفنلندي “بأن أهل معان، سوريو الملامح شجعان وان البدو والأخرين يحترمونهم.”
وقد وصل الاسلام الى معان، وفي المقدمة مبعوث الرسول (ص) فروة الجذامي، الذي قتل حين قدم الرسالة، لأمير الغساسنة التابع للروم
وكان أهلها من الغساسنة ومنها عبرت الجيوش الاسلامية الى مؤتة ثم الى اليرموك، ثم اتجهت الى القادسية في العراق.
وعرفت معان، قوم شعيب وقد أسلم الغساسنة، وبقي بعضهم على النصرانية، خاصة اهل ايله العقبة وقد حمتهم العهدة المحمدية، لأهل آيلة، ولأميرها القس حنة بن رؤبة.
ورغم أن التاريخ بعد العباسيين، اسدل عليها ، الاّ أنها بقيت واحة في الصحراء نابضة بالحياة، وظل الانسان المعاني يتكيف ويحتفظ بتقاليد راسخة رافقته كالعزة والانفة وعدم الخضوع والتمتع بالاسقلالية.
وقد نشطت تجارة معان في العهد العثماني بعد وصول سكة اليها حيث كانت تصب فيها البضائع، وكانت معان على صلة مع غزة والخليل، وتصل اليها الفاكهة من الخليل وخاصة الليمون، ومن غزة يصل اليها النحاسون والحدادون، وأقامت فيها عائلات وافدة من تلك المناطق، وعرفت معان هجرات من معان للخارج، نقلها القطار وما زالت عائلات من هاجروا منها الى شمال الأردن والى عمان والى سوريا، وقد عملوا في سكة الحديد وفي خطوط النفط، التابلاين، وفي عمان، حي المعانية المعروف ، وقد وصل الأمير عبد الله الأول، ليتخذ فيها “مقر الدفاع” قصرا له كبناء كان مقاماً، وقد…. تبعت معان الهاشميين في الحجاز وظلت مع الهاشميين في عمان، وأصبحت معان بوصول الأمير عبد الله محطة للتجارة والثقافة، فقد كتب في صحيفتها، (الحق يعلو)، فؤاد الخطيب وخير الدين الزركلي الذي كان رئيساً لتشريفات الشريف حسين بن علي في مكة وهو صاحب كتاب الاعلام الشهير.
أمضى الامير عبد الله، في معان ثلاثة أشهر، قبل أن يتوجه الى عمان، وقد استقبله أهلها وخطب فيهم ، كما انه خطب فيهم مودعاً إلى عمان وفي ذلك كلام محفوظ، ومن الذين جاؤوا لاستقباله في معان، ليصحبوه الى عمان، سعيد المفتي وهاشم خير وآخرون، حيث صحبوه الى محطة زيزياء، وهناك استقبلهم مثقال الفايز زعيم بني صخر، وأكرم وفادته وقد وصل الى المحطة في عمان، وجلس في مكتب مديرها وخاطب الأردنيين، الذين هتفوا له (يا ابن بنت رسول الله)، وقد كتب عن ذلك الدكتور علي محافظة، استاذنا، وقد قال الأمير، “أبقوا لي وجهاءكم ، فبقي من الحشد ستين شخصية، وقد قال للجميع، ” والله ما جاء بي إلا حميتي ولو ان لي سبعين نفسا لبذلتها في سبيلكم، اطيعوني، أطيعوني قالها ثلاثاً، “قبل أن يتوجه الى ماركا، لاستعراض القوات التي خصصت له. وهناك صور منشورة بالأبيض والأسود من موقع فلكر الالماني للصور وقد اشتريتها ونشرتها في كتابي عن الثورة العربية.
وفي معان في الستينيات نتذكر حادث الفيضان الشهير والمأساوي، حيث وصل الراحل الملك الحسين، بنفسه الى هناك، بطائرة هوليكبتر، وساهم في الانقاذ، كما زارها في نفس الوقت الراحل وصفي التل، وقدمت الحكومة ما استطاعت، حيث كان المسؤول عن ذلك الراحل عبد الوهاب المجالي وأعيد بناء البيوت، وظلت عناية الهاشميين لمعان قائمة دائماً.
وقد زارها جلالة الملك عبد الله الثاني، أكثر من مرة، وكذلك فعل ولي العهد الأمير الحسين،… واهتم بجامعتها، جامعة الحسين بن طلال.
