فتح ماسك بكشفه أمكنة الحسابات، وقريبا جنس صاحب الحساب أو صاحبته، فتح أشبه بما يكون «صندوق بَندورا» تلك الأسطورة الإغريقية، «بندورا» بالألف لا التاء المربوطة التي فاقمت عُقد الحاقدين على الأردن من جاحدي فضله وثماره من المحاصيل كافة، من البندورة إلى الخيار، ومن القمح إلى الشعير..
ولغايات التعريب نقرّبها إلى ذوي البسطات الإلكترونية والدكاكين السيبرانية، فنشبه ما تم قبل أيام على منصة إكس بأنه تهشيم المَدْبَرة، وهشّ ذبابها المتطاير حتى الآن، من ثلاث إلى أربع مخدّمات حاسوبية تدل ولو من بعيد، على بعرة البعير، والجمل بما حمل!
حتى مقولة بدت بريئة كالدعوة إلى مشاركة التغريدة أو المنشور مكتوبا أم على هيئة مقطع فيديو، أو رسما كاريكاتوريا أو بالغرافيكس من خانة المؤثرات البصرية كالتي في «غِفْس» تلك الصور أو الفيديوهات القصيرة التعبيرية، أو «الميمز» بكل إيماءاتها الخبيثة وضحكاتها الصفراء البلهاء، كل ذلك لم ينطلِ على أحد، فقد كشفت الأيام التي يداولها الله سبحانه بين الناس، كشفت أن «شير بالخير» ما كانت إلا «سبّوبة» للنصب والاحتيال الإعلامي فالسياسي، وأحيانا الديني -والأديان كلها منهم براء- ومن ثم الفساد المالي كما شهدنا في التبرعات التي هبشها السُّرّاق هبشا، أفرادا وزرافات من وراء القفار والبحار. فما الذي يجمع بين عملية نصب وغسل أموال في السويد، وبين أوكار المتع الحرام في تايلاند، من تجار السموم المسماة المخدرات، والمتاجرين بتهريب البشر والأعضاء، والرق الجنسي الأبيض والأشقر والأصفر؟!
لست أدري إن كانت تشريعاتنا الضابطة الراعية للأمن والأمان والوئام، قادرة وحدها على فهم تلك الثنائية، متلازمة «شير بالخير»، فليست كل مشاركة خير، وليس كل ما يبدو خيرا فيه ذرة خير. «ناقل الكفر كافر» وليس كما اجتهد المعتزلة، ومن بعدهم المتحذلقون وما الواعون عنهم بغافلين. ليس من المهنية الصحفية ولا من الحقوق المكتسبة لمعشر المؤثرين المأجورين أو المنفلتين أو المدعين، مشاركة الشر أو إفشاء الفاحشة. المعلومة والرواية والسردية والحقيقة لها حرماتها، وهي أخطر من المال والممتلكات العامة والخاصة، فهي في منزلة العِرض والشرف في معناه الأشمل، بجوانبه المادية والمعنوية، وأجلّ من الكرامة وأقدس من الحياة.
ما عادت المسألة مجرد مكافحة انفلات سيبراني، بل صارت حاجة ملحة لضبط الفضاء، تماما كما نضبط الحدود التي يحرسها نشامى الجيش والأجهزة الأمنية الباسلة. هذا الفضاء له ثغور وجَبَ الذود عنها بالغالي والنفيس، فثمة مخدرات أيضا تعرف بالمخدرات الرقمية، بعضها يقوم فقط على أمواج صوتية بدون كلام ولا موسيقى «حزايْنيّة» ولا «تهييجية»!
من الآخر، آن أوان التصدي لمتلازمة «شير بالخير»! وفعل المشاركة، له درجات لا تقتصر على إعادة النشر، بل التفاعل، بما فيه التفاعل الذي يبدو «قصف جبهات»، وتلك مصطلحات نحتتها «الكتائب» الخنفشارية و»التنسيقيات» الهلامية عينها، في تشكيلات الدبابير السيبرانية والذباب الإلكتروني!
