كيرين يارهي ميلو – (فورين أفيرز) –
بتقويضه مبدأ الصدقية الذي قامت عليه السياسة الخارجية الأميركية لعقود، حول دونالد ترامب الثقة بواشنطن إلى شك عالمي. وقد حقق نهجه القائم على الفوضى والمفاجأة مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنه أضعف التحالفات، وأفقد الولايات المتحدة مكانتها كقوة موثوقة، لتغدو أكثر عزلة وأقل نفوذاً في نظام دولي أصبح يميل بقوة نحو التعددية القطبية.
***
اعتمدت السياسة الخارجية الأميركية على مدى عقود على الصدقية، أي اعتقاد الآخرين بأن واشنطن ستفي بالتزاماتها، وأن سلوكها السابق يشير إلى سلوكها المستقبلي. فعلى سبيل المثال، استطاعت الولايات المتحدة بناء شبكة واسعة من الحلفاء لأن شركاءها كانوا على ثقة بأن واشنطن ستأتي لتدافع عنهم في حال تعرضهم لهجوم. وكان بوسعها أن تبرم اتفاقات تجارة حرة مع دول كثيرة حول العالم وأن تتفاوض بشأن اتفاقات سلام، لأنها، بصورة عامة، كانت تُعتبر وسيطاً نزيها. وهذا لا يعني القول بأن الولايات المتحدة لم تفاجئ أحداً قط، أو أنها لم تتراجع عن وعودها مطلقًا، لكنها كانت، في معظم فترات تاريخها الحديث، طرفاً جديراً بالثقة.
ولكن، على النقيض من أي رئيس أميركي سبقه، تخلى دونالد ترامب عن كل الجهود المبذولة لجعل واشنطن موضع ثقة أو منسجمة مع نفسها. كان أسلافه قد اتخذوا أيضاً، في بعض الأحيان، قرارات قوضت صدقية أميركا، غير أن افتقار ترامب إلى الاتساق بلغ مستوى مختلفاً تماماً، ويبدو أنه جزء من استراتيجية مدروسة. فهو يقترح الكثير من الصفقات قبل أن يتراجع عنها؛ ويعد بإنهاء الحروب ثم يقوم بتوسيعها؛ وهو يوبخ حلفاء الولايات المتحدة ثم يحتضن خصومها. ولعل النمط الوحيد الثابت في عهد ترامب هو غياب أي نمط.
كانت نظرية ترامب في هذا الصدد بسيطة: من خلال إبقاء الأصدقاء والأعداء في حالة من عدم التوازن، يعتقد الرئيس أنه يستطيع تحقيق مكاسب سريعة، مثل زيادة متواضعة -مثلاً- في الإنفاق الدفاعي الأوروبي. ويظن ترامب أيضاً أن عدم قدرة الآخرين على التنبؤ بخطواته يمنحه هامشاً أكبر للمناورة في الشؤون الدولية، بما يجعل الحلفاء والخصوم في شك دائم إزاء ما سيفعله تالياً. وأخيراً، يرى ترامب أنه يستطيع إخافة خصومه وردعهم من خلال الظهور بمظهر الزعيم المتهور الخارج عن السيطرة، وهي فكرة يطلق عليها علماء السياسة اسم “نظرية الرجل المجنون”. وقد تباهى ترامب ذات مرة بقوله إن الرئيس الصيني، شي جينبينغ، لن يخاطر على الإطلاق بفرض حصار على تايوان في فترة رئاسته، لأن الرئيس شي “يعلم أنني مجنون تماماً”.
أشار بعض المحللين إلى أن نهج ترامب حقق عدداً من الانتصارات الدولية الموقتة. إلا أنه من غير المرجح أن تقوي طريقته التي يعتمدها في التعاطي مع السياسة العالمية موقف البلاد على المدى الطويل. ثمة دول أخرى قد تسعى إلى تملق واشنطن لفترة وجيزة، على أمل أن تتجنب العقوبات الأميركية، لكن الحكومات ستعمل في نهاية المطاف على حماية نفسها من خلال التحالف مع دول أخرى. وبذلك ستتسع قائمة خصوم الولايات المتحدة، وستضعف تحالفاتها. وبعبارة أخرى، قد تجد واشنطن نفسها وهي تصبح أكثر عزلة من أي وقت مضى، ومن دون مسار واضح لاستعادة سمعتها.
سمعة طيبة
كثيراً ما جادل رؤساء الولايات المتحدة بوجوب أن تتمتع التزامات واشنطن بالصدقية من أجل الحفاظ على القوة الأميركية ومكانتها. وعلى سبيل المثال، قرر هاري ترومان التدخل في شبه الجزيرة الكورية لردع التوسع السوفياتي وكبح جماحه. وقال لاحقا، موضحا موقفه: “تذكرت، كيف أن الديمقراطيات، في كل مرة تفشل فيها في القيام بما ينبغي، تشجع المعتدين على المضي قدُمًا في عدوانهم”. كما صعّد ليندون جونسون الحرب في فيتنام خشية أن يفسَّر الانسحاب من هناك على أنه إشارة إلى أن واشنطن غير جادة في احتواء الشيوعية. وبرر جورج دبليو بوش زيادة عديد القوات في العراق في العام 2007 بالقول إن الانسحاب قد يضعف صدقية الولايات المتحدة، فيما أبقى باراك أوباما على وجود القوات الأميركية هناك للأسباب ذاتها. وحين تردد أوباما في تنفيذ تهديده بالرد العسكري بعد تجاوز النظام السوري “الخط الأحمر” الذي كان قد أعلنه أوباما نفسه ضد استخدام الأسلحة الكيماوية، تعرض لانتقادات لاذعة من خصومه الذين رأوا أنه يشجع بذلك أعداء الولايات المتحدة. وقال أوباما لاحقاً لصحفي: “إن إلقاء القنابل على أحد لمجرد إظهار أنك مستعد لإلقائها على آخر ربما يكون أسوأ سبب لاستخدام القوة”. وبعد الانسحاب الفاشل من أفغانستان، تعرض جو بايدن بدوره لانتقادات واسعة لتقويضه سمعة واشنطن باعتبارها شريكاً موثوقاً يتمتع بالعزم والكفاءة.
ليس واضحًا ما هو الأثر الفعلي لقرارات هؤلاء القادة في صدقية أميركا. فالعلاقة بين قرارات الدول وكيفية إدراك نواياها تبقى معقدة وملتبسة. فعلى سبيل المثال، يرى عالم السياسة داريل بريس من جامعة “دارتموث” أن الدول تقيِّم عزم خصومها استناداً إلى مصالحها وقدراتها الراهنة، لا إلى سلوكها السابق. وقد أظهرت أبحاث أخرى، منها دراسات روزان ماكمانوس، أن سمعة القادة من حيث العزم لا تؤثر إلا في ظروف معينة أثناء الأزمات. كما أظهرت أبحاثي التي أجريتها مع عالم السياسة أليكس ويسيغر أن الدول التي تراجعت عن تعهداتها في الماضي تكون أكثر عرضة بمرتين للتحدي في المستقبل. وتظهر أبحاث أخرى كنتُ قد أجريتها أن الصدقية تتشكل من التصورات حول الاتساق والسمعة المتراكمة في ما يتعلق بالعزم، وأنها تُبنى بمرور الوقت من خلال الإشارات المكلفة التي يحاول القادة إرسالها وكيف يتلقاها الخصوم. بعبارة أخرى، يعتمد القادة في تقدير نوايا خصومهم على خبراتهم السابقة معهم، تماماً كما يعتمدون على سلوكهم أثناء الأزمات الحالية.
لكنّ الأمر عندما يتعلق بترامب، تبدو هذه الاستنتاجات غير مفيدة تقريباً. مهما يكن ما تقوله الأبحاث الأكاديمية عن سبل بناء الصدقية، يفعل ترامب النقيض تماماً. فقد أثار علناً الشكوك حول أهم ضمانات الدفاع الأميركية، وهي التزام “حلف شمال الأطلسي” بالمادة الخامسة المتعلقة بالدفاع الجماعي، حيث أعلن أنه إذا لم “يدفع الحلفاء” ما عليهم، فلا يمكنهم توقع الحماية من الولايات المتحدة. كما انسحبت الولايات المتحدة في عهده من اتفاقات متعددة الأطراف مثل “اتفاق باريس للمناخ” و”الاتفاق النووي الإيراني” من دون أي اعتبار للكلفة التي ستتحملها واشنطن من حيث السمعة، بل إنه نكث أيضاً باتفاق التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، الذي كان قد تفاوض عليه ووقعه بنفسه خلال ولايته الأولى. كما أنه تقلب مراراً بين انتقاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أحد أكثر خصوم واشنطن عناداً، وبين الإشادة به من دون مبرر واضح. وكان اجتماعه الأخير مع بوتين في ألاسكا دليلاً واضحاً على ذلك، حيث تم تنظيم الاجتماع على عجل وكان الهدف منه تحسين صورة ترامب كصانع صفقات، لكنه لم يحصل على أي مقابل ملموس من نظيره الروسي، مما دفع معظم المراقبين إلى قول أن الرئيس الأميركي قد تم خداعه.
ربما يدرك ترامب أثر سلوكه على صدقية أميركا، أو أنه ربما لا يعي ما يترتب على سلوكه من عواقب. لكنّ من الواضح في الحالتين أن كلفة تقويض السمعة القائمة على الاتساق والموثوقية لا تؤثر في قراراته. ويبدو أن الرئيس لا يسعى إلى أن يكون ذا صدقية بقدر ما يسعى إلى تحقيق تفوق نفسي على خصومه لإحراز انتصارات سريعة. وإذا تطلب ذلك تجاهل التزامات أميركا الراسخة، فليكن ذلك. إنه يفضل الاحتفاظ بأقصى درجات المرونة: أن يفعل ما يشاء، متى يشاء، بالطريقة التي يشاء، لكي يحقق غايته.
أصل البلاء
من الواضح أن جعل ترامب تصرفاته غير قابلة للتنبؤ بها هو أمر مقصود. فالرئيس يستمتع بالفوضى، ويدرك أن سلوكه المليء بالتهديد يساعده على تحقيق أهداف معينة، مثل إنجاز صفقاته التجارية. وكان ترامب قد أعلن عند ترشحه للرئاسة للمرة الأولى في العام 2016: “يجب أن نكون غير قابلين للتنبؤ. لا أريدهم أن يعرفوا ما الذي أفكر فيه”.
لكن ذلك لا يعني أن سلوك الرئيس يرتبط دوماً باستراتيجية مدروسة، إذ كثيراً ما يكون نتاجا لتقلبات مزاجية أكثر من كونه قراراً محسوباً، وهو ما يسميه الباحث تود هول “الدبلوماسية العاطفية”. وقد أصبحت مشاعر الخوف والغضب وخيبة الأمل والرغبة في الانتقام اليوم دوافع شائعة في إدارة الدولة الأميركية. وهي حقيقة اكتشفتها دول عدة من خلال تجاربها القاسية مع واشنطن. فعلى سبيل المثال، أشاد ترامب خلال ولايته الأولى برئيس الوزراء الكندي آنذاك، جاستن ترودو، وأبرم اتفاقاً تجارياً مع أوتاوا. لكنه اتهم في ولايته الثانية كندا بالتقاعس عن دورها في الحد من تدفق عقار الفنتانيل والمخدرات الأخرى قبل أن يفرض عليها سلسلة من الرسوم الجمركية. وبالمثل، أعرب ترامب في ولايته الأولى مراراً عن رضاه عن علاقته الودية برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، لكنه سرعان ما انقلب على نيودلهي بعدما نفت أن تكون واشنطن قد ساعدت في وقف صراعها مع باكستان في أيار (مايو). وفي المقابل، سارت علاقة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع ترامب في الاتجاه المعاكس. في البداية، أثار زيلينسكي غضب ترامب عندما صحح له كلامه في اجتماع بالبيت الأبيض، مما دفع واشنطن إلى تجميد مساعداتها لكييف موقتاً. لكن زيلينسكي بادر لاحقاً إلى استرضائه، فأعلن ترامب الشهر الماضي عن دعمه سعي أوكرانيا إلى استعادة جميع أراضيها من روسيا، وهو الهدف الذي كان قد اعتبره في السابق غير قابل للتحقيق.
يكاد يكون من المستحيل على القادة الأجانب التكيف مع تقلبات ترامب ونزواته. ومع ذلك ثمة بعض الإستراتيجيات التي يمكنهم اتباعها لمحاولة كسب وُدّه -أو على الأقل الحد من عواقب إخفاقهم في إرضائه. وأبرز هذه الاستراتيجيات هي الإطراء الذي يغذي إحساس ترامب بالعظمة. وقد انتشرت هذه الوسيلة على نحو خاص بين أقرب شركاء واشنطن. فعلى سبيل المثال، وصف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته الرئيس الأميركي بأنه “صانع سلام براغماتي” بعد لقائه به في أغسطس (آب) الماضي بالبيت الأبيض، في محاولة شبه مؤكدة لمنع ترامب من التخلي عن التحالف. وفي الوقت نفسه أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”القيادة الحاسمة” لترامب، بينما نجح في إقناعه بالمشاركة في الغارات الجوية الإسرائيلية على إيران. وحتى الدول المحايدة سعت إلى استغلال غرور ترامب. وعلى سبيل المثال، رشّح قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ترامب لجائزة نوبل للسلام في محاولة لشق الصف بين الولايات المتحدة والهند.
لكن الإطراء سرعان ما يفقد قيمته مع ازدياد عدد القادة الذين يلجأون إليه. فإذا تملقت كل دولة ترامب، لن تكسب أي منها نفوذاً حقيقياً لديه. أما الدول التي ضاقت ذرعاً بتنمره، فغالباً ما تجد في امتداحه تصرفاً غير مستساغ إلى درجة تمنعها من الإقدام عليه. ونتيجة لذلك، لجأت بعض الحكومات إلى النهج المقابل: المواجهة. وعلى سبيل المثال، رد الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بتحد واضح عندما فرض ترامب رسوماً جمركية مرتفعة على بلاده، وفرض عقوبات على قضاتها بسبب إدانتهم الرئيس السابق جايير بولسونارو بتدبير مؤامرة لتزوير الانتخابات. واتخذ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي موقفاً عدائياً مماثلاً إزاء ترامب. ولكن، على الرغم من أن مثل هذه الإجراءات قد تعزز شعبية القادة في الداخل، فإنها نادراً ما تدفع ترامب إلى التراجع، وغالباً ما تفضي إلى ردود فعل داخلية معاكسة. فقد أجرت الرئيسة السويسرية، كارين كيلر-سوتر، مكالمة هاتفية صدامية مع ترامب بعد أن فرضت واشنطن رسوماً جمركية ضخمة على بلادها. وعندما رفض التراجع عن موقفه، اتهمها خصومها في الداخل بسوء إدارة العلاقات معه.
ثمة نهج ثالث أيضًا يبرز بين التملق والمواجهة، هو “التحوط”. ويقوم هذا الأسلوب على قدر من المرونة والانفتاح على قوى كبرى متعددة، بما في ذلك بعض خصوم الولايات المتحدة. ومن أمثلة ذلك قيام العديد من دول أميركا اللاتينية بتعزيز علاقاتها التجارية وتعاونها مع دول آسيا وأوروبا عقب انتخاب ترامب، مع استمرارها في التعاون مع واشنطن. وتسير دول الخليج العربية في مسار مماثل، حيث تجامل ترامب بينما تقوم في الوقت نفسه بتوسيع روابطها مع الصين. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد دعا أوروبا إلى انتهاج سياسة “الاستقلال الاستراتيجي” الذي يحررها من اعتمادها على كل من الصين والولايات المتحدة.
ولا تتعارض هذه الأساليب بالضرورة بعضها مع بعض. ففي ظل الغموض المحيط بكيفية التعامل مع تقلبات ترامب، تجامل دول كثيرة الرئيس الأميركي يوماً وتتصدى له في اليوم التالي، ثم تتحوط تجاهه في اليوم الذي يليه. ولكن في نهاية المطاف، لم تحقق أي من هذه التكتيكات سوى نجاحات مؤقتة، حيث يواصل ترامب تبديل مواقفه من العالم لحظة بلحظة، تبعاً لمزاجه وما يشعر به في تلك اللحظة.
ما هو الثمن؟
يُحسب لترامب أنه حقق بعض الإنجازات الحقيقية بفضل نهجه القائم على عدم القابلية للتوقع. وعلى سبيل المثال، أدى القصف الذي أمر به ضد إيران إلى تعطيل طموحات طهران النووية. وعندما سئل عما إذا كان سيوجه ضربات إلى إيران بعد بدء إسرائيل حملتها الجوية، اختار التردد في الإجابة عمداً، قائلاً: “قد أفعل ذلك، وقد لا أفعله. أعني، لا أحد يعلم ما الذي سأفعله”. وقد خلف هذا الغموض حالة من عدم اليقين في إسرائيل وإيران على حد سواء حول كيفية تموضعهما. ثم جاء قراره النهائي بالتدخل العسكري مدفوعاً برغبته في تبديد الانطباع بأنه ضعيف ويتراجع عند المواجهة، وبسعيه إلى الظهور بمظهر المنتصر. ومن خلال إظهاره للدول الأخرى أنه مستعد للانقلاب عليها في أي لحظة، ربما يكون ترامب قد عزز قوة الردع الأميركية.
ويمكن اعتبار تعامله مع موازنات الدفاع لدى الحلفاء انتصاراً آخر له. فطوال عقود، ضغط الرؤساء الأميركيون على بقية أعضاء “الناتو” لزيادة إنفاقهم العسكري، لكن أحداً من هؤلاء الرؤساء لم يلوح قط بعدم الالتزام بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي، مما جعل الدول الأوروبية تشعر بضغط محدود للتحرك. لكن ترامب نجح، من خلال تشكيكه في تلك الضمانة، في إضفاء قدر من الاستعجال. وفي قمة لاهاي في العام 2025 تعهد الحلفاء الأوروبيون بزيادة إنفاقهم الدفاعي إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي -وهو ما كان قفزة غير مسبوقة. وسارت المواجهة بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن الرسوم الجمركية على المنوال نفسه. فبعد تهديده بتصعيد الرسوم، قدمت بروكسل لواشنطن في صيف العام الماضي تنازلات تجارية كانت تُعتبر مستحيلة في السابق، بما في ذلك اتفاق لشراء الغاز والنفط الأميركيين بقيمة 750 مليار دولار. ورد ترامب بإعلان “انتصاره”، بينما أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بـ”قيادته الحاسمة”.
لكنّ مدى استدامة هذه الانتصارات يبقى موضع شك. ربما يكون ترامب قد نجح في دفع أوروبا إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، لكن ذلك جاء على حساب تماسك حلف “الناتو” الذي أصبح أكثر هشاشة. وعلى الرغم من أن أعضاء الحلف ينفقون اليوم مبالغ أكبر على أمنهم، فإن قوة “الناتو” تستند في الأساس إلى التزامه الجماعي بالدفاع المشترك -وهو الالتزام الذي أضعفه ترامب. فإذا امتنعت الولايات المتحدة، على الرغم من قوتها العسكرية الهائلة، عن الرد في حال تعرض أحد الحلفاء لهجوم، فسيغدو التحالف أضعف، حتى لو ارتفعت موازنات الدفاع الأوروبية. وتظهر الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على أوروبا نتيجة مماثلة: فقد تكون واشنطن انتزعت بعض المكاسب الاقتصادية، لكنها دفعت القارة في المقابل إلى تعزيز استقلالها الاقتصادي والسياسي. ونتيجة لذلك، سيزداد تراجع نفوذ الولايات المتحدة في أوروبا، بل وعلى مستوى العالم بأسره. ومع تدهور صدقية أميركا، قد تجد واشنطن صعوبة متزايدة في التفاوض على اتفاقات سلام أو رعايتها كما اعتادت، مما ينذر بقيام نظام دولي أكثر اضطراباً وتقلباً.
حذر عدد من السياسيين الأميركيين، بمن فيهم بعض الجمهوريين، من العواقب بعيدة المدى لسياسات ترامب الخارجية التي تتسم بالفوضى. وحتى لو خلفه في المنصب حليف سياسي مقرب، فقد يسعى الرئيس الأميركي المقبل إلى اتباع نهج أكثر قابلية للتنبؤ، خصوصاً إذا كان أكثر اعتدالاً في مزاجه. غير أن إعادة ترسيخ صدقية الولايات المتحدة لن تكون أمراً يسيراً، لأن سمعة أي دولة تتجاوز زعيمها الحالي. فعندما يخل ترامب بوعوده مراراً، أو يبدل مساره فجأة، فإن ذلك يعمق الشكوك لا في شخصه فحسب، بل في مدى موثوقية المؤسسات الأميركية برمتها. وبمجرد أن تفقد الصدقية، تصبح استعادتها أمراً بالغ الصعوبة. وسيرث الرئيس الأميركي القادم، مهما كان نهجه، حلفاءً يجاملون ويتحوطون في آنٍ واحد، وخصوماً يختبرون وينتظرون، ونظاماً دولياً لم تعد مواقف الولايات المتحدة فيه تحمل الوزن نفسه الذي كانت تحمله في السابق.
بعبارات أخرى، سيكون لدى واشنطن عدد أقل من الأصدقاء. بالنسبة لكثير من شركاء الولايات المتحدة، سيصبح التحوط خياراً اضطرارياً بعد أن فقد التملق تأثيره وأصبحت المواجهة المباشرة باهظة الكلفة. وفي المقابل، قد تكسب واشنطن خصوماً جدداً حين تسعى الدول التي نبذها ترامب إلى إقامة شراكات دفاعية مع منافسيها. وسيرتفع ثمن الردع، مع اضطرار المسؤولين الأميركيين إلى التعامل مع عدد متزايد من التهديدات، فيما ستجد واشنطن نفسها مضطرة إلى إنفاق المزيد لطمأنة حلفائها القلائل الباقين.
وربما تجد الولايات المتحدة نفسها بعدد أقل من الحلفاء المقربين حتى في غياب ترامب، في ظل تزايد الطابع متعدد الأقطاب للنظام الدولي. لكنّ من المرجح أن يسرِّع نهجه غير القابل للتنبؤ هذه العملية. قد يغادر ترامب البيت الأبيض مقتنعاً بأن غموضه وتعذر التكهن بتصرفاته جعلا واشنطن أكثر قوة، وأن الأميركيين سيجنون فوائد التحالفات والصفقات التي أفرزتها تلك السياسة. وربما يرى أنه برفضه الحاجة إلى الصدقية حرر الولايات المتحدة من القيود التي كبلت أسلافه. لكن التاريخ، على الأرجح، سيحكم بخلاف ذلك: فقد استبدل ترامب الصدقية بالتقلب، وترك وراءه أميركا أقل جدارة بالثقة في أعين العالم.
*كيرين يارهي ميلو: عميدة كلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا، وأستاذة كرسي أدلاي إي. ستيفنسون للعلاقات الدولية. وهي محررة مشاركة، مع هيلاري كلينتون، لكتاب “في غرفة العمليات: نظرية صنع القرار في الأزمات وممارسته”. الترجمة لصحيفة “الإندبندنت” حيث نُشرت في 28 تشرين الأول (أكتوبر) 2025.
