ربما نسي الناس من زحمة الأحداث وتسارعها حملة «الصدمة والترويع» عام 2003 تلك التي انتهت بإسقاط النظام السابق في العراق جناح حزب البعث العربي الاشتراكي الشرقي الذي سقط العام الماضي جناحه الغربي في سورية لأسباب قد تكون في جوهرها واحدة.
منذ سقوط حكم الأسد ونظام بشار في «قلب العروبة النابض» كما سماه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر الذي أخفق في تحقيق جميع مشاريع الوحدة على نحو أكثر كارثية من «تلميذه» الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، منذ ذلك السقوط والإقليم -ولربما العالم كله- يعيش أشبه ما يكون بحملة الدهشة و»التكويع» وهو توصيف بالعامية الشامية لما يصفه بعض المعلقين بالانعطاف أو الاستدارة. يا سلام على جمال اللغة العربية وثراء مفرداتها وغنى لهجاتها القُطرية والجهوية، لا نكلّ ولا نملّ من تبرير أي شيء وتسويق الأشياء كلها بما فيها (ما ومن) كنا له ألد الخصام.
أفهم وأحيانا أتفهّم دور الإعلام بجناحيه الكلاسيكي والجديد، في الإنارة والتعمية والتظليل على زوايا حدث أو شخصية لاعتبارات قد تكون موضوعية، وقد لا تكون سوى دعائية مالية بحتة.
الصدمة التي أحدثها ذوو النفوذ قد تكون حميدة لإحداث التغيير المنشود الذي قد يصب أو يتقاطع مع مصالحنا، لكن الأمر يستحق بعض التأمل والتروي بعد الفُرجة على ما أثار الدهشة، دهشة الجميع، قبل أن يتورط بعضنا كغيرنا في «التكويع» فبعض المنظرين الداعين إلى ذلك -وإن سلمت نواياهم- لا يعرف «كوعه من بوعه»!
تفاديا للحرج ولاعتبارات شتى، سأحصر كلامي في مثالين عن تلك الدهشة: فوز زهران ممداني (محمداني) في عُمودية نيويورك. ومصير نظام مادورو في فنزويلا المطلوب للقضاء في محاكم نيويورك بتهم الاتجار بالمخدرات والجريمة والتآمر، والتي كانت على رأسه مكافأة بقيمة خمسة عشر مليون دولار. هل يلقى مصير مانويل نورييغا زعيم بنما الذي اقتيد مكبل اليدين إلى أمريكا في عهد بوش الأب الذي قاد حرب تحرير الكويت من عراق صدام؟ أم أنه بعد نبرة التفاهم الخفي الأخيرة التي تحدث عنها ترمب قبل يومين سيلقى لقاء ودودا معطرا برذاذ المصالح أمام المدفأة خلف المقعدين الأصفرين، أمام إلى يمينه في المكتب البيضاوي؟
حسنا إنه بيضاوي، وتلك هي السياسة فن تدوير الزوايا المعروف لدى العامة بالتكويع وخاصة الخاصة بالانعطاف أو الاستدارة!
محمداني هو الآخر في طريقه إلى البيت الأبيض قريبا، فللرئيس السابع والأربعين لبلاد العم سام قدرة خارقة على التعامل مع الجميع من «المسافة صفر» ما دامت المصالح كما يقول الأشقاء المصريون «بتتصالح»، وها هو ستيف ويتكوف مبعوث ترمب لمهام السلام يستعد للقاء زعيم حماس الخارج خليل الحية مرة أخرى، هذه المرة بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي -مساء الإثنين- بلا فيتو روسي أو صيني، بخصوص اليوم التالي غزيا وفلسطينيا وشرق أوسطيا! ما من شيء بعد ما رأيناه في عامين، يثير الدهشة!
الدهشة و«التكويع»!* بشار جرار
6
المقالة السابقة
