تُعدّ ثقافة العطاء من أعمق ما يميّز المجتمع الأردني. فمنذ عقود، شكّل التكافل الاجتماعي ركيزةً متينة في مواجهة الأزمات، وكانت أيادي الناس تمتدّ بالعون للمحتاج قبل أن يطلبه. غير أن النوايا الطيبة وحدها، مهما صفَت، لا تُغني عن وجود نظام يحفظ المال في موضعه ويصون ثقة الناس في مسارات الخير.
في مشهدٍ يتكرر كل جمعة، نرى صناديق التبرعات في مداخل المساجد، وأيادي المصلين تُلقي بما تيسّر من النقود، عدا عن الصناديق الموزعة في المتاجر والمجمّعات التجارية.
فهذا مشهد نبيل في جوهره، لكنه يفتقر إلى الضبط والرقابة التي تليق بحجم المسؤولية. فأموال التبرعات تُجمع وتُصرف دون أن تمرّ عبر منظومةٍ موحّدة، مما يفتح الباب أمام احتمالات التسيّب أو الخطأ أو حتى الشك في وجهتها. إنّ العمل الخيري، ليحافظ على سموّه، يحتاج إلى ما هو أكثر من حسن النية؛ يحتاج إلى نظامٍ واضح، ورقابةٍ شفافة، وآليةٍ موثوقة تُظهر أين يذهب كل دينار.
العالم اليوم يتجه نحو رقمنة كل ما يتعلّق بالمال العام، حمايةً له وتنظيمًا للثقة. ومن هنا، فإنّ الحاجة في الأردن أصبحت ملحّة لإنشاء منصةٍ إلكترونية وطنية موحّدة لتنظيم التبرعات بمختلف أنواعها؛ سواء لبناء المساجد، أو مساعدة المعسرين، أو علاج المرضى، أو دعم المستشفيات والمبادرات الإنسانية والاجتماعية.
هذه المنصة يجب أن تكون بمثابة المظلّة الرسمية التي تجمع تحتها جميع الجهود الخيرية الفردية والمؤسسية، بحيث لا يُسمح بأي جمعٍ للأموال إلا عبرها.
فكل حالة تُدرج بعد موافقةٍ رسمية أو حكمٍ قضائي يُجيز جمع التبرعات لها، مع تحديد الغاية والمبلغ المطلوب بدقة، وتخصيص رقمٍ تعريفي للحالة.
يستطيع بعدها المواطن التبرع إلكترونيًا بكل سهولةٍ وأمان، ومتابعة المبلغ الذي تم جمعه لحظةً بلحظة، حتى اكتمال الهدف، لتُغلق الحالة تلقائيًا، ويُنشر تقريرٌ نهائي يوضح كيفية صرف الأموال ومآلها.
بهذا الأسلوب، يتحول التبرع من فعلٍ عفوي إلى عمليةٍ مؤسسيةٍ واضحة المعالم، ومن العشوائية إلى المنهجيّة، تحفظ المال وتُعزّز الثقة وتمنح العمل الخيري احترامه ووزنه الحقيقي.
مثل هذا المشروع لا يمكن أن يُكتب له النجاح بقرارٍ منفرد أو مبادرةٍ محدودة، بل يحتاج إلى جهدٍ حكوميٍّ متكاملٍ ومتكاتف تشترك فيه أكثر من جهة.
ومنها وزارة الداخلية لتأمين الإطار القانوني والرقابي ومنع أي جمعٍ للأموال خارج المنصة، ولا غنى عن وزارة التنمية الاجتماعية لتنظيم الجمعيات الخيرية والإشراف على أوجه الصرف والتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه، ومن الأولى تواجد وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية لتنظيم تبرعات المساجد ومشاريعها وربطها بالمنظومة الجديدة ضمن ضوابط واضحة، ووزارة الاقتصاد الرقمي والريادة لتطوير المنصة وضمان جاهزيتها التقنية وأمان بياناتها، وبإشراف البنك المركزي الأردني لضبط عمليات التحويل والتبرع الإلكتروني وربطها بالأنظمة المالية الرسمية، وأي جهة رسمية أو رقابية وجب وجودها.
ومع ذلك، فإن هذا المشروع لا يمكن أن يحقق أهدافه إلا بتدخلٍ مباشر وإشرافٍ فعلي من رئاسة الوزراء لضمان التنسيق بين الوزارات المعنية، وتذليل العقبات البيروقراطية، وتوحيد الجهود تحت مظلة وطنية عليا تتابع التنفيذ خطوة بخطوة. فوجود إدارة مركزية على مستوى رئاسة الوزراء يعني أن المشروع سيُدار برؤية موحدة تضع مصلحة الدولة والمجتمع فوق أي اعتبار.
هذا التعاون المتكامل بين المؤسسات ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو الركيزة التي تضمن نزاهة المنظومة وعدالتها واستمراريتها. فحين تتوحد الجهود، يتحول العمل الخيري إلى نموذجٍ وطنيٍّ يُحتذى، وتتحول النوايا الطيبة إلى نظامٍ فعّالٍ يليق بمستوى وعي الأردنيين ومسؤوليتهم.
وجود منصةٍ وطنيةٍ للتبرعات سيضع حدًا للفوضى الصامتة التي ترافق جمع الأموال النقدية بطرقٍ غير خاضعةٍ للرقابة.
سيعرف المتبرع أين يذهب ماله، وسيتأكد المحتاج أن حقه محفوظ ضمن منظومةٍ عادلةٍ لا مجال فيها للمحاباة أو التلاعب.
كما ستحمي هذه المنصة الجهات الخيرية نفسها وكذلك الجمعيات الخدمية، لأنها تمنحها الغطاء القانوني والشفافية التي تجعلها فوق الشبهات، وتُعيد الاعتبار لفكرة التبرع كقيمةٍ وطنيةٍ ومجتمعيةٍ سامية، لا كممارسةٍ فرديةٍ عشوائية.
والخلاصة؛ الخير في الأردن ليس نادرًا، لكنّ تنظيمه أصبح واجبًا وطنيًا.
ولأن الثقة العامة تُبنى بالشفافية، فإن إنشاء منصةٍ وطنيةٍ موحّدةٍ للتبرعات لم يعد خيارًا مؤجّلًا، بل ضرورةً ملحّة لحماية المال، وصون النية، وتعزيز صورة الدولة والمجتمع معًا.
النية الطيبة أساس، لكنها لا تكفي.
ما نحتاجه اليوم هو نظامٌ يجعل العطاء مؤسسيًا، واضحًا، خاضعًا للمساءلة، بحيث تُغلق كل الأبواب أمام الشك، ويُفتح بابٌ واحد فقط باب الخير الموثوق.
التبرعات مسؤولية وطنية لا مبادرة فردية* الدكتور ايهاب العابودي
4
المقالة السابقة
