عروبة الإخباري – د. فلك مصطفى الرافعي –
اُصبتُ بعارض صحي الزمني الاستشفاء ، و من ثمّ الاعتكاف كإقامة جبرية في المنزل لمدة شهرين. و هنيئاً لمن يتكئ على قواعد إيمانية لأنها المفتاح السحري الاول للشفاء ، فعقدتُ العزم على مقاربة سعيدة استرشد البراءة من الوجع بقوله تبارك و تعالى ” إنّما يوفّىَ الصابرون أجرهم بغير حساب” لأن المرحلة ستعدو إما تنمرا على القضاء و لا ينفع ، او امتشاق غمد الصبر فيشفع ،
إصرار على مطالبة الحياة بقبول التحدي ، الإصرار على القبول و لا تدوم الشدّة في حسن التكيّف معها ، ثم استرحتُ لفكرة ان اقوم بجردة حساب بما قمت به و ما نويت ، واستعراض لشخصيات نجحت بالصمود .
كانت محطة الإصرار الأولى مسيرة والدي _رحمه الله _ خاصة في سنينه الأخيرة ، و كان قد أُصيب بمرض قاومه بصبرٍ و احتساب و تغلّب عليه حتى إلى مرحلة أمراض القلب ، و لزوم ما يلزم بالمتعارف عليه ” الحبّة تحت اللسان “، و حين الشفاء من نوبة مرض يأمرنا لحزم الحقائب لقضاء اجازة في مصايف لبنان او رأس البسيط في سوريا و غالبا إلى العاصمة التي احبَّها و عشقها القاهرة ، و حديث عن الفقيه العزّ بن عبد السلام و شجرة الدرّ و حملات المماليك لتحرير البلاد الإسلامية من الاستعمار الغربي ، ثمّ عن إصرار الزعيم عبد الناصر ان تكون قناة السويس مصرية و الإصرار على بناء السدّ العالي رغم انف الغرب الذي ضيّق عليه المعونات الخارجية ، إلى بحيرة ناصر و معجزة نقل معابد ابو سنبل إلى مكان آمن حتى لا تُغرقُها مياه السد .و يذكر والدي دائما جملة كانت في إحدى خطب عبد الناصر حيث ناشده رجل من خضم البحر الجماهيري ” فلسطين ياجمال ” ، فكان الرد سريعا من الزعيم ” فلسطين بالإستعداد” ..
كان الإستشراف المطلوب لمعرفة العدو و إمكانياته قبل اية معركة و خاصة قبيل حرب ١٩٦٧ حين نصحه الاصدقاء ( الا يبدأ هو القتال )، فامتثل فكانت فرصة للكيان المغتصِب ان يضرب عمق المطارات العسكرية المصرية و إنهاء دورها و كان الإصرار بمتابعة النضال بعد النكسة بحرب الإستنزاف و تدمير مرفأ ام الرشراش ” إيلات ” ، و سلسلة من النجاحات العسكرية التي قادت فعلا إلى تحرير القناة عام ٧٣ بعد رحيله .
إلى محطة اخيرة حول عملاق الصحافة العربية الاستاذ حسن صبرا و خاصة بعد إصرار ( الأستاذ ) على كشف فضيحة “إيران غيت “، و اذكر تماما ما قال والدي الذي استمطر شآبيب العناية الإلهية لمن تجرّأ بحزم و شجاعة و فتح خزانة خبايا حرب إيران و العراق ،وهو يتمتم ( حماكََ الله فقد فُتحت عليك فُوّهات الجحيم ). و يٌذكرّنا والدي بالصورة النادرة للرئيس الأمريكي ريغان وهو يشير إلى عدد (الشراع ) يهدّد و يتوعّد، تلك الصفقة التي صاغها بثعلبة الشيطان الأكبر لدعم الموقف الإيراني ، و من المستفيدين منها ريغان و نائبه بوش الأب و عدنان الخاشقجي و يعقوب النمرودي ” اليهودي ” بعدها نجا الاستاذ الكبير من محاولة اغتيال دقيقة و شقّ طريقاً للعالمية الإعلامية بشجاعته و حرفيته.
و هذا الإصرار في مراجعة المواقف كان في مرحلة ( حجزي الاحتياطي الاستشفائي ) ، و هو المُدافع القوي و الأمين على مسيرة الزعيم عبد الناصر ، و خاصة في تفسيره المعقول بين خلاف ناصر و بعض المجموعات الإسلامية في مصر ،بأنه الصراع على السلطة و ليس الخلاف على الدين و الفقه و التشريع..
و لا ادري ان اصبتُ بقولي ان استاذي حسن صبرا كما كان يوسف ابن تاشفين الحارس الاول للمرابطين ، و استاذنا هو” تاشفين ” الناصرية للدفاع عن مسيرة الزعيم عبد الناصر .
و في نقلة الإصرار الإنساني من الأستاذ حسن ان اكون “شراعية” المقال ، رعى مساري وشذّب مقالي من زَلل عشوائية الكتابة وفاءً لوالدي وإطلاقي في عالم الكلمة ، واثناء معاناتي كان المتصل دائما و يوميا للإطمئنان عني و زادني إيماناً انه الاخ و الأستاذ و الصديق الصدوق ..
و قد اثراني ما كتب عنه المؤرخ الكبير الدكتور عصام شبارو في ندوة أُقيمت في جمعية متخرجي جامعة بيروت العربية حيث حكى عن عروبته واصالته واصراره على ان يكون عابراً للطوائف لِأُضيف بفخرٍ ان الأستاذ حسن صبرا حالة من النضوج الإعلامي المتفوّق والعروبي المتميّز والناصري الأصيل و المُصرّ حيث لا يجرؤ الكثير .
… تذكرتُ بعزٍ و كرامة إصرار شعب الجزائر التوّاق للحرية بمهرٍ فاق اكثر من مليون قتيل مظلوم ..
… توقفتُ مليّاً عند خشبة إعدام المناضل الليبي عمر المختار وهو يهزأ من جلاّديه ان ليبيا ستلد الف عمر المختار ..
اذهلني شعب الجبّارِين ضيوف الحياة ان فلسطين قضية لا تموت ، وفرحتي من تكرار الكوابيس المرعبة على العدو الغاشم وهو يرتعد من مجرد رؤيته ” خفانتين و كيس إسمنت ” على خاصرة بيت جنوبي لأن القضية لا تعدو فقط مجرد إعمار ما تهدّم بل الإعلان الصارخ عن التجذّر بالارض، و منع التوسعة الصهيونية لأنها فعلا معركة وجود ..
اُنهي محطاتي بِأَنفة الشعب العربي الذي يؤمن حقا و فعلا بقوله تبارك و تعالى ” الذين قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ..”
كلمة من حسن صبرا
اما ان اكون مصراً على ان تكون الاديبة المميزة العزيزة فلك الرافعي ” شراعية “كما شرفتني في مقالتها ،فهذه شهادة ومسؤولية لا ادعيها ، وفخر اعجز عن حمل قيمه ، خصوصاً وقد اكدت الاديبة القاعدة ” رب تلميذ فاق استاذه ابداعاً ورقياً في التعبير والإمساك بثمر النخل وقدميه على رمل الارض يطؤها ولا يحاول لنزع الثمر جهداً”
ايتها الفاضلة الغالية
إصابتك وبعدك القسري عن الابداع ، وفر للقارىء الملهوف سؤالاً عن صمتك الحاجب للعطاء فرصاً أنا اجيد نفسي عليها ومنها :
اتيح لي الكلام معك مرات ومرات كنت اشعر فيها وانا أسأل عنك وأستمع إلى صوتك ،انني أتنشق اكثر من الهواء الذي يمد النفس بالراحة ، انه هواء بارد في حرارة مناخ قائظ ، ومسرى ماء يحىي الجفاف في الأوردة ، وإيقاظ لطيف من كابوس البعد القسري
صومك عن الكتابة أعطاني الجرأة كي تتملكني الفرحة ، من اسئلة قراء مابين الشرق في الجغرافيا والغرب ، وانا انقل لهم التحسن المستمر في صحتك ومغادرة صمتك بقرار منك خارج عتبته ، والعودة المشوقة لكتاباتك .
واعطيت فرصة اضافية كي اتحدث عنك ، ليس لأستمع إلى إطراءات جديدة من معجبيك ، بل كي أتمتع بما يقولونه عنك عبر الأثير ، وعبر متابعة نظرات الإعجاب بما تكتبين ، وبالمنافسة التي يفترضها كثيرون بين رقة جمالك ودقة ما تخطين ..
كم افتخر يا أديبتي الغالية فلك ان تذكريني انت في مقالتي كناصري افتخر بناصريتي ما حييت ، وأشعرك تذكريني بناصرية العلامة الكبير والمفكر الاديب د مصطفى الرافعي ، وكان من إبداعات خلق الله ان منحك اياه ، كما منحك لنا
اديبة ابنة أبيها أدباً وثقافة واسماً حفره في ذاكرة الزمن المستمر في الارض وفي الفضاء الواسع فلك
حسن صبرا
