65
للكاتبة سكينة الفالحي
في العلاقات الإنسانية، ثمة أشخاص يطرقون أبواب حياتنا كنسمة خفيفة، ثم يرحلون كعاصفة، ليعودوا من جديد كأنهم لم يغادروا. هؤلاء الذين يسكنهم التردّد يعيشون دائمًا بين ضفّتين: ضفة ينجذبون إليها بصدق، وضفة يخشون الغرق فيها.
إن التناقض الذي يظهر في تصرفاتهم ليس عبثًا، بل انعكاس لصراع داخلي عميق؛ حين يتقاطع الحب مع الخوف، يولد هذا النوع من الارتباك: اقتراب خجول، ابتعاد لا تفسير له، نظرة حارة، ثم كلمة باردة تُطفئ كل شيء.
✦ بين ما نقوله وما نخفيه
في العلاقات، لا يظهر التناقض من فراغ. هو أشبه بظل يتبع إنسانًا لم يحسم بعد وجهته، وكأن قلبه يسير في طريق، وعقله يصرّ على طريق آخر.
سقراط قال: “اعرف نفسك”، فالتناقض هو غالبًا نتيجة عدم وضوح الذات. الإنسان الذي لم يكتشف عمق دواخله بعد، يعجز عن مواجهة تأثير الحب والخوف عليه، فيظهر هذا الصراع في تصرفاته اليومية.
كيركغارد يقول: “الخوف لا يولّد الهرب دائمًا… أحيانًا يولّد الجمود.” وهذا بالضبط ما يحدث حين يعجز البعض عن التعبير عن ما يشعرون به. لا يهربون تمامًا، ولا يقتربون تمامًا، بل يقفون في منتصف المسافة، تائهين بين رغبة صادقة وخوف أكبر منها.
✧ منطق القلب ومنطق العقل
الفلاسفة القدماء آمنوا بأن الإنسان كائن مزدوج: جسد يمشي… وروح تتردّد. وما نراه من تصرفات متناقضة ليس سوى صراع بين هذين الصوتين:
•القلب يريد الاقتراب
•العقل يخاف الخسارة
•الكبرياء يحاول إخفاء الضعف
•الرغبة تفضح كل شيء مهما حاول صاحبها التماسك
أرسطو قال: “السعادة لا تتحقق إلا بتوازن النفس”. التناقض إذن ليس عيبًا، بل نتيجة اختلال التوازن بين ما يريد الإنسان وما يجب عليه، بين ما يشعر به وما يخاف التعبير عنه.
✧ الإنسان يخشى من يعرّيه
نيتشه قال: “نخاف من أولئك الذين يستطيعون رؤيتنا دون أقنعتنا.”
حين يلتقي شخص بروح قوية، ثابتة، حاضرة، يشعر الإنسان أنه مكشوف أمامها، فتبدأ تصرفاته بالانقسام: نظرات متابعة، تظاهر باللامبالاة، غيرة صامتة، كلمات باردة… كأنه يضع قدمًا في الماء وأخرى على اليابسة.
ليس لأنه لا يريد، بل لأنه لا يعرف كيف يقترب دون أن يسقط قناعه.
✧ التناقض محاولة للحفاظ على الذات
في الفلسفة الوجودية، يُعتبر التناقض علامة على “هشاشة الهوية”. فالإنسان حين لا يكون متأكّدًا من قيمته يحاول أن يسترجع قوته بطرق غريبة: يبتعد ليثبت أنه لا يحتاج، ويعود لأن الغياب أثقل مما يحتمل.
جان بول سارتر قال: الإنسان “محكوم بالحرية”، والحرية تولد القلق، والقلق يولد التردد. كل هذه العناصر تتجمع لتفسر لماذا يبدو بعض الناس متناقضين أمام الآخرين.
✧ الحضور القوي امتحان
بعض الأرواح حين تظهر في حياة إنسان تُشعل فيه أسئلة كان يتجاهلها:
هل أنا كافٍ؟
هل أستحق هذا النوع من الحب؟
هل أستطيع أن أكون على قدر هذا الحضور؟
هذه الأسئلة وحدها كفيلة بإرباك أكثر الناس تماسكًا. ليس التناقض دائمًا علامة على العبث، بل قد يكون دليلًا على مشاعر أكبر من قدرة صاحبها على الاعتراف.
باسكال قال: “الإنسان كائن هشّ، يخاف من الحب كما يخاف من فقدانه.”
✦ الشعر يقرأ أعماق النفس
جبران خليل جبران كتب: “الحب لا يعرف عمق ذاته إلا حين يصبح اختبارًا للروح.”
محمود درويش يقول: “نحن الذين نكتب على الجدران، ولكن في داخلنا جدران أكبر.”
ابن الفارض قال: “أهوى ما أهاب”، وأحلام مستغانمي أضافت: “المسافة بين القلب والعقل لا يملأها سوى الصمت.”
كل هذه الأقوال تدعم فكرة أن التناقض ليس ضعفًا، بل نتيجة طبيعية لصراع داخلي بين الرغبة والخوف، بين المشاعر وما يستطيع الإنسان التعبير عنه.
اخيرا في بعض العلاقات، يظهر الاقتراب والابتعاد، الاهتمام والصمت، الغيرة واللامبالاة… كلها محاولات للبحث عن التوازن الداخلي أو حماية الذات.
الدرس لا يتعلق بمحاولة تفسير الآخر بالكامل، بل بفهم نفسك أولًا: معرفة قيمتك، احترام حدودك، والحفاظ على ثباتك الداخلي.
فالسلام الداخلي لا يأتي من فرض تفسير على كل تصرف، بل من القدرة على المضي قدمًا، مع الاعتراف بأن بعض الأشخاص يمرون في حياتنا ليكشفوا لنا عمق شعورنا، ويعلّمونا أن الثبات على قدرنا هو أعظم قوة، وأن احترام الذات أرقى أنواع جاذبية.
حتى لو كان الموقف مربكًا أو مؤلمًا، يبقى أثره درسًا: لا يُقاس حب الآخرين بما يظهرونه من تصرفات متناقضة، بل بما يعكسه صمتهم وتصرفاتهم من صراع داخلي، وما تمنحه التجربة لنا من وعي وثبات على قدرنا
