تحول الامتداد الصحراوي الساحر في وادي رم، خلال العقدين الأخيرين، إلى استوديو عالمي مفتوح لصناعة الأفلام، ورافعة تنموية وسياحية تعكس قدرة المكان على التفاعل مع العالم، وتقديم نفسه كوجهة فريدة تجمع بين الجمال الطبيعي والفرص الاقتصادية، إلى جانب كونه لوحة طبيعية خلابة ومقصدا لمحبي المغامرة.
ومنذ أن اختار المخرج العالمي ريدلي سكوت وادي رم لتصوير فيلمه الشهير “المريخي” العام 2015، بدأت الأنظار تتجه نحو هذا المكان كخيار مثالي لتصوير أفلام الخيال العلمي والمغامرات الصحراوية، وتبعه تصوير أفلام ضخمة مثل “ديون” بجزأيه، و”Star Wars: Rogue One”، و”Transformers: Rise of the Beasts”، وغيرها من الإنتاجات التي وضعت وادي رم على خريطة السينما العالمية.
وأسهمت هذه الأعمال في جعل وادي رم شخصية سينمائية بحد ذاته، ودفع آلاف السياح إلى زيارته بحثا عن تجربة سينمائية حقيقية وسط الرمال الحمراء والجبال الصخرية.
وبحسب هيئة تنشيط السياحة، فإن انعكاسات هذا الحضور السينمائي كانت عميقة على السياحة، إذ ارتفع عدد زوار وادي رم بنسبة 35 بالمائة بعد عرض فيلم “ديون” العام 2021، حيث بلغ عدد الزوار في العام 2024 نحو 420 ألف سائح مقارنة بـ310 آلاف العام 2022، كما ارتفع متوسط مدة الإقامة من يوم واحد إلى ثلاثة أيام بفضل البرامج السياحية التي باتت تربط الزائر بمواقع التصوير، وتقدم له تجربة تفاعلية تشمل جولات سينمائية، وعروضا ليلية، ومخيمات مستوحاة من الأفلام.
خلق فرص عمل
ويشير خبراء وسكان من المجتمع المحلي إلى أن صناعة الأفلام أسهمت في خلق أكثر من 500 فرصة عمل مؤقتة خلال فترات التصوير، شملت خدمات النقل والإقامة والإرشاد والتموين، إضافة إلى فرص دائمة في إدارة المخيمات والمرافق السياحية، كما أسهمت في تمكين شباب البادية من خلال تدريبهم كمساعدي إنتاج ومرافقين للفرق الأجنبية، ما عزز من مهاراتهم وفتح أمامهم آفاقا جديدة للعمل في قطاعي الإعلام والسياحة.
وشهدت المشاريع الريادية في منطقة وادي رم نموا ملحوظا، حيث ازدهرت المطاعم الصحراوية ومتاجر الحرف اليدوية والمخيمات التي باتت تقدم خدمات متخصصة للسياح الباحثين عن تجربة سينمائية متكاملة.
وقال صاحب مخيم سياحي في وادي رم محمد الزوايدة “إن تصوير فيلم “ديون” غيّر قواعد اللعبة في المنطقة”، مؤكدا “أن بعض السياح أصبحوا يسألون عن مواقع التصوير بالتحديد”.
وأضاف الزوايدة “أخذنا على عاتقنا تقديم جولات خاصة مرتبطة بالأفلام، حتى أن بعضهم يطلب ارتداء زي مشابه لما ارتداه الممثلون في الفيلم”، مشيرا في الوقت ذاته، إلى أن “هذا التفاعل بين السياحة والسينما خلق ما يعرف عالميا بسياحة الأفلام في وادي رم، وهي نوع من السياحة الثقافية التي تستند إلى مواقع التصوير كمحفز للزيارة، وتعد من أسرع أنواع السياحة نموا في العالم”.
واستضافت المملكة أكثر من 200 إنتاج سينمائي عالمي، منها عشرات الأفلام التي صورت في وادي رم تحديدا، في وقت حقق الإنتاج السينمائي العالمي في الأردن عائدات تجاوزت 500 مليون دولار، وأسهم في دفع عجلة السياحة بنسبة 20 بالمائة خلال الأعوام الأخيرة.
وقال صاحب مخيم أحمد الزلابية “إن صناعة الأفلام في وادي رم غيرت نمط حياتنا بشكل ملموس”، مشيرا إلى “أن المجتمع المحلي كان يعتمد سابقا على السياحة التقليدية من جولات الجيب والمبيت في الخيام، أما اليوم فقد أصبحنا جزءا من صناعة عالمية”.
وأكد الزلابية أنه عمل مع فرق إنتاج دولية وتعلم منها الكثير عن تقنيات التصوير والإدارة، مما منحه فرصة لتطوير مشروعه السياحي الخاص، مبينا “أن بعض الزوار الأجانب باتوا يأتون خصيصا لرؤية مواقع تصوير الأفلام، ويسألون عن مشاهد من فيلم (ديون) أو (المريخي)”.
وفي الحديث عن صناعة الأفلام في وادي رم، ثمة تحديات هناك تتعلق بنقص الخدمات اللوجستية، مثل ورش المعدات، وضعف شبكة الاتصالات في بعض المواقع يعيق فرق الإنتاج ويزيد من تكاليف التصوير، إلى جانب الحاجة إلى تدريب متخصص في مجالات الإنتاج والإخراج لضمان مشاركة أوسع وأكثر احترافية في هذه الصناعة المتنامية.
قطاع اقتصادي واعد
من جهته، قال الخبير الاقتصادي والأكاديمي محمد النعيمات “إن صناعة الأفلام في وادي رم أصبحت قطاعا اقتصاديا واعدا يحمل في طياته فرصا استثمارية وسياحية كبيرة”، مشيرا إلى “أن كل إنتاج سينمائي عالمي يُصور في رم ينعكس مباشرة على حركة السياحة، ويحفز المشاريع الريادية، ويسهم في تشغيل أبناء المجتمع المحلي”.
وأكد النعيمات “أن وادي رم نموذج اقتصادي وتنموي متكامل يجمع بين الترويج الدولي وتوليد الدخل وتمكين المجتمعات”، مشددا على “أن تطوير البنية التحتية وتقديم الحوافز المناسبة يمكن أن يجعلا من وادي رم مركزا إقليميا لصناعة الأفلام في الشرق الأوسط”.
أما المتخصص في تنمية المجتمعات المحلية حسام الحسنات، فأوصى بـ”إطلاق برنامج (رم سينمائي) لتدريب الشباب على تقنيات التصوير والإنتاج، وإنشاء مركز معلومات سياحي يعرض تاريخ الأفلام المصورة في المنطقة، وتطوير تطبيق رقمي يربط السياح بمواقع التصوير عبر خرائط تفاعلية”.
كما دعا الحسنات إلى “تعزيز الشراكة مع شركات الإنتاج العالمية لترويج وادي رم كوجهة دائمة، وتحفيز الجامعات على تقديم برامج في السياحة الثقافية وصناعة الأفلام”، مشيرا إلى “أن وادي رم يمثل قصة نجاح في استقطاب الإنتاجات السينمائية ونموذجا حيا لكيفية تحويل الجمال الطبيعي إلى قيمة اقتصادية وثقافية”.
من جهته، قال مدير منطقة وادي رم صالح النعيمات “إن سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، بالتعاون مع الجهات السياحية ذات العلاقة، تعمل باستمرار على الترويج لأنماط السياحة كافة، لا سيما السياحة السينمائية، إلى جانب تطوير البنية التحتية بما يتناسب مع متطلبات الإنتاج السينمائي من دون الإخلال بالطابع البيئي”.
وأشار النعيمات إلى “أن صناعة الأفلام في وادي رم تمثل نموذجا ناجحا للتكامل بين الثقافة والسياحة”.
يشار إلى أن هيئة الأفلام الأردنية، سبق أن منحت أكثر من 100 تصريح تصوير في وادي رم خلال الأعوام الخمسة الماضية.
