تبرز أهمية ربط البحث العلمي بالأولويات الوطنية بصفتها الرافد الاساسي لتعزيز التنمية المستدامة وتحقيق التقدم في مختلف القطاعات الانتاجية. وبالتالي فإن توجيه الجهود البحثية نحو المجالات ذات الاولويات الوطنية لا يحقق فقط تكاملاً بين المعرفة والاحتياجات الوطنية، بل يعزز من دور البحث العلمي في دعم اقتصاد المعرفة وتوفير حلول مبتكرة للتحديات الاجتماعية والبيئية والصحية التي نواجهها اليوم.
ولا يمكن هنا اغفال دور الجهات الوطنية الداعمة للبحث العلمي مثل المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا وصندوق دعم البحث العلمي والابتكار والجمعية الاردنية للبحث العلمي والابتكار والريادة التي تعتبر من الركائز الأساسية في رسم الاستراتيجية الوطنية لتحديد أولويات البحث العلمي في الأردن، حيث يتم بشكل دوري تحديد مجالات بحثية ذات أولوية تشمل قطاعات متعددة كالعلوم الأساسية، والتكنولوجيا، والهندسة، والعلوم الطبية، والزراعة، والبيئة، والطاقة، وتكنولوجيا المعلومات، والعلوم الإنسانية والاجتماعية. وتعمد في ذلك إشراك الخبراء والجهات الحكومية والقطاع الخاص لضمان أن تكون هذه الأولويات مستجيبة للاحتياجات الوطنية. ويتجسد دورها هذا في مشروعات بحثية متقدمة قادرة على خدمة الأولويات الوطنية التي تلبي احتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إن ربط البحث العلمي بالأولويات الوطنية ضرورة استراتيجية لضمان تحقيق التأثير الفعلي لتلك البحوث على التنمية، فضلاً عن خلق بيئة بحثية محفزة ومشجعة للابتكار وريادة الأعمال، وتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والقطاعات الاقتصادية المختلفة. لكن هذا لا يعفينا من النظر للأثر المادي التي أحدثته تلك الابحاث العلمية على مدى السنوات الماضية، وكم من المؤسسات الوطنية استفادت منها، إذ أن جل ما نحتاجه اليوم هو انشاء قطاعات اقتصادية قائمة على المعرفة وتطوير الانتاج لخلق منتجات قابلة للتصدير ودخول الاسواق الاجنبية. فربط البحث العلمي بمتطلبات التنمية الاقتصادية يتطلب تطوير تقنيات بحثية جديدة تعمل على رفع كفاءة الانتاج وتحسين جودته وتمكينه من التنافس في ظل السوق المفتوح. وقد يتاتى ذلك من خفض التكلفة او زيادة الانتاجية او تحسين الجودة وفتح اسواق جديدة.
فنحن أحوج ما نكون لأبحاث تطبيقية تركز على حل مشاكل محددة وتطوير حلول عملية لمشكلات تواجهها العديد من قطاعاتنا الخدمية والاقتصادية، نحن أحوج ما نكون لتحويل المعرفة الى منتج من خلال الابتكار والتطوير. نحن أحوج ما يكون للتركيز في البحث العلمي على القطاعت الواعدة والتي يمكنها الاستفادة من البحث العلمي التطبيقي مثل قطاع تكنولوجيا المعلومات وتطوير البرمجيات والتطبيقيات الذكية، وهي قطاعات واعدة ومطلوبة محليا وعالميا. هناك أيضا قطاع الطاقة المتجددة ونحن نعاني من ارتفاع كلف الطاقة، وقطاع الزراعة ونحن بلد زراعي يصدر منتجاته لاغلب دول العالم وتنبع حاجته من ضرورة تطوير زراعته وتحسين جودة محاصيله ورفدها بتقنيات زراعية متطورة وتقنيات ري حديث لا سيما ونحن من أفقر دول العالم مائيا. ولا ننسى القطاعات الدوائية التي تصدر منتجاتها لأغلب دوم العالم المتقدم بما فيها الولايات المتحدة الامريكية. فجودة البحث العلمي لا تقاس بعدد الابحاث بل بعدد الابتكارات وعدد الشركات والمؤسسات المستفيدة. نحتاج إذن الى أبحاث يمكن تطبيقها وتحويلها الى منتجات ملموسة، أي ترجمة تلك الابحاث الى نسب تضاف الى الناتج المحلي وتحسين جودة حياة المواطنين.
في الختام، يمثل ربط البحث العلمي بالأولويات الوطنية في الأردن نموذجًا ناجحًا لتوجيه البحث الأكاديمي نحو دعم التنمية الشاملة، وتحقيق الترابط بين العلم والمجتمع في إطار رؤية وطنية واضحة شاملة ومستدامة لتحقيق الأهداف التنموية المنشودة. ولا شك أن تحسين البيئة البحثية ودعمها بالحوافز المادية المجزية وربطها بقطاعات الخدمات والانتاج المختلفة يشكل قمة الاستثمار في العقول الاردنية الواعدة. فمن خلال دعم الجهود البحثية يتم بناء قاعدة معرفية قوية تسهم في تطوير القطاعات الوطنية الاقتصادية ذات الاولوية ومعالجة الاحتياجات الوطنية، وبالتالي تحسين نوعية الحياة للمواطنين.
