تخيّلوا معي إخوتي القراء الكرام أن يلقانا الناس بتحية: أكلت؟! وكما تحيتنا السلام عليكم أو معكم أو لكم في هذا المشرق العظيم، يكون الرد على التحية -السلام- بأحسن منها، بأن: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
من رحماته وبركاته ونعمه سبحانه، المسكن والمشرب والمأكل. هذه الأخيرة -وإن كانت لُقيْمة- كانت شحيحة لحد أن يبيت الناس بلا عشاء، لا «رجيما» ولا حمية، بل جراء الفقر المدقع والعوز والفاقة. هكذا كان حال سنغافورة، معجزة آسيا التي صار دهاقنة السياسة وعباقرة وسماسرة المال والأعمال يحلمون بإقامتها في جميع دول العالم النامي لا «الثالث»، ومنها «بلاد العرب أوطاني» حيث مازال العرب يتغنّون بسويسرا الشرق لبنان الشقيق على أمل استنساخ التجربة السنغافورية في قلب ما كان يعرف بالهلال الخصيب.
شح الموارد الطبيعية في سنغافورة لم يكن في الغذاء فقط، حتى شربة الماء كانت تحديا وجوديا تضافرت فيه مكونات عرقية ودينية استلهاما للنموذج البريطاني في الحكم الرشيد ودولة القانون والمؤسسات- دولة المواطنة، تضامنت في تشييد العملاق السنغافوري الاقتصادي الاجتماعي حتى قبل الانفصال عن ماليزيا ونيل الاستقلال سنة 1965 وهي الخليط المتجانس بقوة الانتماء للمجتمع-الدولة النموذج في احترام سيادة القانون، فتعاون ذوو الأصول الصينية والهندية والمالاي -على تنوع خلفياتهم الدينية والسياسية، على الاستفادة من تجارب دول المنشأ الصين وماليزيا والهند، وحتى المستعمر الياباني والبريطاني في بناء دولة عصرية صارت تنافس ما كانت تحاكيه وفي وقت قياسي لم يتجاوز ثلاثة عقود.
لم أتشرف بزيارة سنغافورة، لكني زاملت عاما في بريطانيا أخا سينغافوريا ينحدر من أصول صينية، كان نعم السفير لبلاده ولمجتمعه. قمة في الرقي الأخلاقي والأداء الأكاديمي الألمعي، كان يعد للدكتوراة في تخصص «الموثوقية الصناعية أو المصنعية»، بجرة قلم يقرر كمهندس صناعي إن كان هذا المصنع أو ذاك يحظى بالثقة، وأساسها الشفافية التي تضمن للمستثمر وللمستهلك سلعا وخدمات تتناسب مع الأسعار وتضاهي المنافسين محليا وإقليميا ودوليا.
هذه تحية لمحطة سيدنا الآسيوية في سنغافورة في الجولة الملكية المباركة. تحية لا نكتفي فقط بالسلام بلغة المالاوي «أكلت»؟ بل القول بأن: جيرة الله غداك عندي اليوم!
جميلة واعدة هي الشراكات التي يؤسسها لها الأردن ويعمل على تعزيزها. شراكات توثق الصداقة وتنقلها من العلاقات الرسمية الممتازة إلى واقع اقتصادي اجتماعي يعيشه الشعبان الصديقان سلاما وازدهارا.
