عروبة الإخباري – كتب سلطان الحطاب –
عدتُ لمأدبا والعود أحمد في غالب الأحيان، خاصة الى مدينة جميلة بأهلها وتاريخها، وقد قال في زيارتها، شاعر من مادبا ،
وإذا نزلت بمأدبا فكأنما ، وحي هداك إلى النعيم فتنعما
فيها الحياة إذا اشتهيت لذيذها، ونسيمها عطر يفوح مرنما .
قبل سنتين جئت مأدبا باحثاً ومصوراً، وأنا استكمل كتابي عن بيوت الأردن القديمة وقصصها، وقد أخذت مأدبا حصة فيه، ولكن هذه الحصة لم تكن كافية، فهناك بيوت ومواقع هامة فاتني الوقوف عليها.
ولأن اهتمامي كان بتاريخ الموقع أكثر من العائلات والعشائر التي بقيت أبتعد عن ذكرها في المدن التي كتبت عنها واكتفي بذكر بعض الأشخاص الاعلام الذين يتجاوزون عشيرتهم في سمعتهم حتى لا أقع في النسيان ولا أكرر اخطاء أن بعض العشائر لم تذكر، فيغضب مني أكثر من الذين رضوا.
كنت في مأدبا قبل سنتين، ونشرت كتابي، وفي الأمس الجمعة، عدت الى مأدبا بصحبة صديقي عبد الحي المجالي، ملبين دعوة الرجل الكريم، وضاح إبراهيم جميعان، صاحب مطعم (حارة جدودنا)، وقد أحسست بروعة المكان حين كنت أدخل اليه، وسألت نفسي كيف فاتني في كتابي ان لا أذكر هذا المكان، ذو التاريخ العابق، كان المدعون حوالي الثلاثين، من اصدقاء، وضاح، بدون مناسبة، فهو يديم هذه العادة سنوياً في دعوة الأصدقاء.
نعم كنت في مأدبا المدينة العريقة التي جاء على ذكرها الكتاب المقدس في العهد القديم، عندما خربها بنو إسرائيل على يد موسى حين قاومه وجماعته أهل الأرض من قبائل الأموريين وطردوه من المنطقة تسمرت في المدخل وأنا أنظر الى بيت قديم عابق بالتاريخ في اكثر من طابق وشرفات، بني فوق أشجار ضخمة ما زالت تشق سقفه وسماءه وتظلل الساحة الأرضية فيه، كانت المداميك عريضة تزيد في عرضها عن متر، وكانت أقواس الأبواب تعكس قدم العقود التي مضى عليها سنوات طوال.
سألت وضاح ، كم عمر البيت، فعرفت أنه بني عام 1900، في العهد العثماني، أي قبل 125 سنة، وأنه بقي منزلاً معموراً لوالده إبراهيم جميعان، رئيس البلدية الثاني من 1916الى 1919 قبل أن يعاودها مرة اخرى ويليه في البلدية سلمان العلمات العزيزات.
وقد توارثت البيت العائلة حين قام فيهم من أعلى من شأن البيت وحفظه وكرس سمعة وكرم أهله بجعله مطعماً مميزاً على مستوى الوطن الأردني يقصده الزائرون والمجموعات السياحية وتطبق شهرته الآفاق، وقد أسماه، حارة جدودنا، وما زال المكان منذ سنة افتتاحه عام 1997، كقرية تراثية تضم مطاعم ومقاه وسوقاً للحرف اليدوية داخل هذا المبنى القديم الواسع في مأدبا، والذي يبعد عن عمان 30 كم، ويمكن الوصول اليه في أربعين دقيقة، عابرين اليه من شارع فلسطين، قرب محطة باصات مادبا.
لم يكن الوصول صعباً، فعبد الحي المجالي، يعرف المكان وقد رازه ويعرف تاريخ عائلة جميعان، وله منهم اصدقاء، ظل يذكرهم، ومنهم الراحل شفيق جميعان وهو ضابط كبير كان مرافقا للأمير محمد بن طلال … وكثير من افراد العائلة، كانوا مميزين في العسكرية وعلو الرتب التي حملوها، كما كان منهم اطباء مميزين ومنهم رؤساء بلديات عديدون في مأدبا، وكانوا أصحاب قدرة على التعايش مع محيطهم من البدو والبلقاوية في عشائرها العديدة المحيطة بمأدبا، وقد عرفت شخصيات منهم، في الكرادشة والعوازم والعزيزات، بتحالفاتها التاريخية مع بدايات الاسلام في مؤتة، وأيضاً دورهم في مناصرة الثورة العربية الكبرى 1916.
لقد افدت كثيراً من معلومات صديقي الذي جلس جواري السفير السابق والوزير، نبيل مصاروة، الذي يمتلك معلومات مميزة عن مادبا وتراكيبها السكانية وتطورها، وعن معرفة برجالاتها، وقد أخذت منه إجابات على العديد من الاسئلة التي كانت تدور في ذهني للكتابة عن مأدبا وعلاقاتها ومكانتها التاريخية الهامة كأشهر مدينة ذات طبيعية دينية بما تحويه من كنائس هامة وخاصة كنيسة الفسيسفاء، القديس جاورجيوس الروم الارثوكس التي بنيت عام 1896، وتنوع هذه الكنائس وشبكة علاقاتها الدولية ووضع المدينة في إطار اليونسكو للحفاظ على تراثها ويجاورها الموقع الشهير جبل نبو وكنيسته التي يمتد الى جوارها حمامات ماعين المعدنية الشهيرة سياحياً.
لقد اشتهرت مأدبا بالفسيفساء في كنائسها، وأحيت هذه الصفة وفتحت لها مدارس لتعليمها، وصدرت ذلك للخارج والعالم وما زالت الفيسفساء ترتبط بمأدبا.
وقد قرأت عن مأدبا في كتاب الكامل لابن الأثير وغيره كياقوت الحموي حيث مرّ منها الخليفة عمر بن الخطاب، ولم يكن معه الاّ مرافقه، وهما يركبان جملاً كل له دوره في ركوبه، حتى وصل سهل مأدبا، مكان مدينة الأندلسية أو الزيتونة الآن، وحيث منازل وبيوت بني صخر.
وقد توقف عمر ليصلي وانتظر ملاقاة معاوية بن أبي سفيان،والي الشام في عهده والذي جاء من دمشق في وفد كبير لملاقاته والاحتفاء به، وكان الدور في الركوب لخادم عمر، الذي اناخ الجمل واقترب معاوية ورأى الخليفة مرحبا، فلما نظر اليه عمر وراى المئات من المرافقين له على ظهور خيول مطهمة وفيها زهو شديد، قال، ما هذا يا ابن ابي سفيان، ثكلتك أمك، لم يكن ابوك في الإسلام الاّ أمس، وأنت تفعل هذا، واشار الى البذخ ومظاهره، فرد عليه معاوية بتودد، وقال، يا أمير المؤمنين، والله أن أهل الشام يحبون هذا ، ثم توجه عمر الى بيت المقدس ليتسلم مفاتيحها من المطران صفرونيس ويكتب له العهدة العمرية المحفوظ نسختها الأصلية في ضريح الملكة الراحلة علياء طوقان وفي “العهدة العمرية” اشترط فيها المطران على عمر أن لا يدخل القدس يهودياً، وبعدها قام عمر للصلاة وابتعد عن موقع كنيسة القيامة، ليصلي في مكان اقيم عليه مسجداً.
مأدبا مدينة الكنائس بامتياز ، ومدينة جذب سياحي واسع كانت وما زالت، ومعظم اهلها يحترفون ذلك، وفيها بيت العلامة الراحل، روكس بن زائد العزيزي، الباحث والمؤرخ واللغوي، كما فيها بيت الفنانة الراحلة ميسون الصناع، كما عاش فيها شاعر (الربابة) الأشهر عبده موسى، ومن الذين كانوا قد عملوا فيها، الراحل سعيد باشا المفتي رئيس وزراء أردني في زمن الملك عبد الله الاول ، وشفيق ارشيدات المحامي وهاشم خير من الذين استقبلوا الامير عبد الله بالقطار من معان إلى عمان ، وقد تولوا فيها مواقع، وكذلك الشيخ خالد بن طريف وقد زارت الملكة رانيا مأدبا كثيراً وكذلك فعلت الملكة نور، في تشجيع الحرف المأدباوية، ومنها احد شيوخ بئر السبع سليمان عواد ابو غيث، كما ضمت الطاولة الما دا با وية الشهيرة امس العين السابق، محمد الشوابكة، ابو خوام، الذي تحدث عن المكان وشجع على معرفته كجزء من الذاكرة الوطنية.
معتذار عن ذكر بقية الأسماء التي كرمها وضاح بدعوته
