عروبة الإخباري –
يتردّد في الأوساط السياسية والإعلامية، منذ أسابيع، أن لبنان يقف على حافة مواجهة جديدة مع إسرائيل. غير أن هذا الاعتقاد، على الرغم من وجاهته الظاهرية، يبدو في نظر الكاتب والمحلل السياسي مايكل يونغ مبالغًا فيه، إذ إن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن احتمالات الحرب أقل مما يتصور كثيرون.
حرب بوسائل أخرى
يُلاحظ يونغ أن إسرائيل كثّفت في الآونة الأخيرة عملياتها العسكرية على طول الحدود اللبنانية، من مناورات في الجليل الأعلى إلى ضربات جوية شبه يومية تستهدف مواقع يقال إنها تابعة لحزب الله. ومع ذلك، فإن طبيعة الأهداف التي جرى قصفها — مصانع إسمنت، آليات بناء، أراضٍ زراعية — تكشف أن المقصود ليس تمهيدًا لمعركة عسكرية شاملة، بل حرب اقتصادية تهدف إلى إنهاك سكان الجنوب وحرمانهم من مقوّمات الحياة والإعمار، في محاولة لعزل حزب الله سياسيًا وشعبيًا.
ويشير إلى أن المقرر الأممي موريس تيدبول بنز وصف هذه الهجمات بأنها “انتهاكات خطيرة للقانون الدولي وقد ترقى إلى جرائم حرب”، لكنها مع ذلك لا تمثل تحضيرًا لعملية كبرى بقدر ما هي وسيلة ضغط سياسية على الدولة اللبنانية والحزب.
ميزان القوى يميل نحو التثبيت لا التصعيد
يرى يونغ أن إسرائيل، في واقع الأمر، لا تحتاج إلى حرب جديدة. فهي تسيطر على الأجواء والحدود الجنوبية وتتمتع بدعم أمريكي كامل، كما أن غياب قوات “اليونيفيل” في المستقبل القريب سيمنحها حرية أكبر في التحرك دون رقابة دولية. الدخول في حرب شاملة، في ظل هذا التوازن القائم، قد يهدد المكاسب التي حققتها تل أبيب من دون إطلاق رصاصة واحدة.
في المقابل، يعاني الجيش الإسرائيلي من إرهاق ميداني بعد حرب غزة الطويلة، بينما يدرك قادته أن أي عملية برية ضد حزب الله ستكون مكلفة وغير مضمونة النتائج، خاصة وأن تجربة غزة لم تؤدِّ إلى القضاء على حماس كما كان مأمولًا.
حسابات واشنطن وطهران
أما على المستوى الإقليمي، فإن الإدارة الأمريكية — بقيادة دونالد ترامب — تسعى حاليًا إلى ترسيخ وقف إطلاق النار في غزة وعدم فتح جبهة جديدة قد تهدد استقرار المنطقة في لحظة سياسية دقيقة. في الوقت ذاته، تبدو إيران أكثر انشغالًا بالمفاوضات السياسية ومحاولات استعادة نفوذها الدبلوماسي، بدلًا من إعادة تفعيل محور المقاومة عسكريًا كما في السابق.
حزب الله بين الردع والقيود
على الرغم من احتفاظ حزب الله بترسانة صاروخية كبيرة، فإن استخدامه لها محكوم بظروف معقدة. فقد تراجعت خطوط إمداده بعد انحسار دور النظام السوري، كما أن الداخل اللبناني المنهك اقتصاديًا لم يعد مستعدًا لتحمل تبعات مواجهة جديدة. أي تصعيد كبير قد يؤدي إلى رد إسرائيلي مدمر يُضعف الحزب سياسيًا وربما يعيد خلط التوازنات الطائفية في لبنان.
يخلص مايكل يونغ إلى أن الحديث عن حرب وشيكة في لبنان يعكس أكثر المخاوف من الماضي منه قراءة للواقع الحالي. فإسرائيل، المستفيدة من وضعها الميداني والدعم الأمريكي، تفضل اليوم إدارة الصراع بأسلوب الضغط الاقتصادي والسياسي بدل الانخراط في حرب مفتوحة، بينما يظل حزب الله لاعبًا إقليميًا ثانويًا في معادلة أكبر تتصدرها إيران والولايات المتحدة.
في المحصلة، ليست الحرب على الأبواب كما يُشاع، بل إن المنطقة تعيش مرحلة ردع هادئ وتوازن هشّ قد يطول، ما لم يقرر أحد الطرفين كسر قواعد اللعبة القائمة.
