في يوم المرأة اللبنانية، نقف إجلالًا وتقديرًا أمام وجهٍ من وجوه لبنان المضيئة، أمام المرأة التي لم تكن يومًا هامشًا في تاريخ الوطن، بل كانت في صلب مسيرته، جزءًا لا يتجزأ من كيانه وهويته. المرأة اللبنانية ليست مجرد فاعلة إجتماعية أو سياسية، بل هي ضمير الوطن الحيّ الذي ظلّ نابضًا رغم كل المحن.
منذ بدايات القرن الماضي، كانت المرأة اللبنانية حاضرة في ميادين النضال، تطالب بالحرية والعدالة والمساواة، وتساهم في بناء مؤسسات المجتمع المدني. ولكن صورتها الأكثر سطوعًا تجلّت خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، حين وقفت المرأة في وجه الانقسام والموت، تحمل أبناءها وتزرع فيهم الأمل، وتحوّل البيوت إلى مدارس صغيرة للحياة وسط الخراب.
كانت الأم، والممرضة، والمقاتلة، والمربية، والناشطة التي رفضت أن تستسلم لليأس. هي التي فقدت ابنًا أو زوجًا، لكنها بقيت شامخة كالأرز، تنبض بالحياة والعطاء.

وفي الجنوب اللبناني، برزت صورة أخرى من البطولة. المرأة الجنوبية كانت في الصفوف الأمامية لمواجهة العدوان الإسرائيلي، صمدت في وجه الاحتلال، ربّت أبناءها على حب الأرض والكرامة، وشاركت في المقاومة المدنية والإنسانية. كانت تحمل بيدٍ سلة خبز للأطفال، وباليد الأخرى علم الوطن.
ولم يقتصر دور المرأة اللبنانية على الميدان النضالي، بل امتدّ إلى ميادين السياسة وصنع القرار. فقد أثبتت النساء اللبنانيات قدرتهن على القيادة والمشاركة الفعّالة في الحياة العامة، حيث دخلن البرلمان وتولين مناصب وزارية بارزة، وساهمن في صياغة السياسات العامة. وفي القضاء، شكّلت المرأة اللبنانية علامة فارقة، إذ تبوأت مناصب قضائية رفيعة وأسهمت في ترسيخ العدالة واستقلال السلطة القضائية.
أما في المجتمع المدني والقطاع الإنساني، فقد كانت المرأة اللبنانية رائدة ومبتكرة، قادت الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وأسست مبادرات اجتماعية وتعليمية وإنسانية أحدثت تغييرًا ملموسًا في حياة الفئات الهشّة. فكانت دائمًا في الصفوف الأمامية عند كل أزمة، من الكوارث الطبيعية إلى النزوح والحروب، تُقدّم الدعم النفسي والمادي، وتزرع الأمل في قلوب المتعبين.
إن المرأة اللبنانية ليست فقط نصف المجتمع، بل هي القوة التي تحفظ توازن النصف الآخر. فهي التي واجهت الحرب ببسالة، وتحدّت الظروف الاقتصادية الصعبة بعملها وإبداعها، وأسهمت في إعادة إعمار الوطن بالحكمة والعزيمة. لقد تحوّلت إلى نموذج يُحتذى به في العالم العربي، لما تمثّله من شجاعة وإصرار على تحقيق العدالة والمساواة، دون أن تتنازل عن أنوثتها أو قيمها.
في يومها الوطني، نقول إن المرأة اللبنانية هي وجه لبنان الأجمل، هي الأم التي تنجب الأبطال، والمربية التي تبني الأجيال، والمواطنة التي تؤمن بأن الوطن ليس جغرافيا فحسب، بل قضية ومسؤولية.
هي من صنعت التاريخ بصمتها، وبكت بحزنها، وضحكت بأملها، وعلّمت العالم أن الصمود ليس حكرًا على الرجال، بل هو شرف تتقنه نساء لبنان.
تحية إلى كل امرأة لبنانية… إلى كل أمٍّ وزوجةٍ وشقيقةٍ وناشطةٍ ومعلمةٍ وممرضةٍ ومقاتلةٍ ومدافعةٍ عن الحق.
تحية إلى المرأة اللبنانية التي كانت، وما زالت، وستبقى ركيزة الوطن وبوصلته نحو الحياة.
الحلبي، دكتوراه في القانون الخاص -الجامعة الإسلامية/ منسقة قطاع الحماية القانونية في إتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية في لبنان وعضو في المبادرة الدولية للقانون الدولي الإنساني والشباب
