كتبت الدكتورة – ملكي محمد الحلبي –
في الذكرى الخامسة والعشرين لصدور القرار رقم 1325 عن مجلس الأمن الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2000، تتجدّد الدعوة لتعزيز دور المرأة كشريك أساسي في صنع السلام وترسيخ الأمن المستدام. فقد شكّل هذا القرار محطة مفصلية في الاعتراف الدولي بأهمية مشاركة النساء في منع النزاعات وحلّها وفي جهود إعادة الإعمار، مؤكدًا أن تحقيق السلام المستدام لا يمكن أن يتم دون حضور النساء الفاعل على المستويات كافة.
ويُعد القرار 1325 أول قرار من نوعه يربط بصورة واضحة بين قضايا المرأة والأمن والسلم الدوليين، ويهدف إلى ضمان حماية النساء والفتيات أثناء النزاعات المسلحة، وتعزيز مشاركتهن في عمليات التخطيط وصنع القرار وبناء السلام، إضافة إلى دمج المنظور الجندري في السياسات والبرامج المتعلقة بالأمن الإنساني.
ويرتكز القرار على أربعة محاور رئيسية تمثل الإطار العام لتطبيقه:
1. المشاركة: تمكين النساء من الوصول إلى مواقع صنع القرار والمشاركة الفعالة في مفاوضات السلام وإعادة الإعمار.
2. الحماية: صون النساء والفتيات من جميع أشكال العنف، ولا سيما العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال النزاعات وما بعدها.
3. الوقاية: تعزيز الجهود الرامية إلى منع النزاعات عبر تمكين النساء والمجتمعات المحلية والمشاركة في مبادرات الإنذار المبكر وبناء السلام.
4. الإغاثة وإعادة الإعمار: مراعاة احتياجات النساء والفتيات في جميع مراحل الاستجابة الإنسانية وإعادة البناء بعد انتهاء النزاعات.
إن القرار 1325 شكّل تحولًا جوهريًا في النظرة إلى المرأة، إذ انتقل بها من كونها ضحية للنزاعات إلى فاعلة رئيسية في صنع السلام وبناء المجتمعات القادرة على التعافي والنهوض.

إنطلاقًا من إيمان لبنان بأهمية تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في جهود بناء السلام والمجتمع، تبنّت الحكومة اللبنانية القرار 1325 من خلال إعداد الخطة الوطنية للعمل حول “المرأة والسلام والأمن”، بالتعاون مع الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية وبدعم من الأمم المتحدة وشركاء محليين ودوليين.
تهدف هذه الخطة إلى ترجمة مبادئ القرار 1325 إلى سياسات وبرامج عملية تستجيب لاحتياجات النساء والفتيات في مختلف الظروف، وخصوصًا في سياقات النزاعات والأزمات الإنسانية. وقد ارتكزت الخطة على المحاور الأربعة الأساسية للقرار: المشاركة، الحماية، الوقاية، والإغاثة وإعادة الإعمار، مع مراعاة الخصوصية اللبنانية والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تواجه النساء.
من خلال هذه الخطة، التزمت الدولة اللبنانية بتعزيز حضور المرأة في مواقع صنع القرار، وتمكينها من المشاركة في العمليات السياسية وبناء السلام المحلي، إضافة إلى حمايتها من العنف القائم على النوع الاجتماعي وضمان وصولها إلى العدالة والخدمات الأساسية. كما ركّزت الخطة على دعم المبادرات المجتمعية التي تقودها النساء في مجالات الإغاثة والتنمية والاستجابة للأزمات.
في سياق الالتزام الوطني والعالمي بمبادئ القرار 1325، برز دور المرأة في اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية URDA كأحد النماذج المشرقة لتجسيد مفاهيم التمكين والمشاركة الفاعلة في العمل الإنساني. فقد شكّلت النساء في URDA ركيزة أساسية في إدارة وتنفيذ برامج الإغاثة، لا سيما تلك الموجهة إلى النساء النازحات والأطفال، في ظل الظروف الصعبة التي شهدها لبنان منذ اندلاع الحرب في العام 2024.
في الخطوط الأمامية للأزمة، برزت المديرة التنفيذية السيدة جيهان القيسي كقائدةٍ استثنائية، تمكّنت من إدارة الاستجابة الإنسانية برؤية استراتيجية وحضور ميداني فاعل، بالتعاون مع مديرة الإعلام والتواصل مروة زين، والزميلة مايا عبيد، وعدد من المصوّرات المبدعات، بينهن نور القيسي وميسون الحسين، إلى جانب نائب المديرة التنفيذية فاطمة القيسي.
وفي الميدان، جسّدت منسقات قطاع الإغاثة رهام الحسين ونور الرفاعي وهلا رمضان أسمى معاني العطاء، إذ أمضين أكثر من أربع عشرة ساعة يوميًا في مراكز الإيواء، يقدّمن الدعم النفسي والاجتماعي للنساء والأطفال، ويستقبلن العائلات النازحة بحسٍ إنساني رفيع، ويسهرن على تلبية احتياجاتهم الطارئة بكل تفانٍ ومسؤولية.
كما ساهمت فرق التطوع النسائية في متابعة كل تطورات الحرب، والعمل على الأرض لتأمين الإغاثة العاجلة والدعم النفسي والاجتماعي، إضافة إلى جهود التوعية القانونية حول القضايا النسائية وحقوق المرأة التي قدمها الاتحاد للنازحات، لضمان حماية حقوقهن وتعزيز وعيهن القانوني.
حتى 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قدمت URDA خدمات نوعية للنازحين، من بينها:
* 12,239 حصة جاهزة للأكل استفاد منها 61,195 شخصًا.
* 8,208 حصص غذائية لأكثر من41,040 مستفيدًا، معظمهم من النساء والأطفال.
* 5,392 فرشة، 7,400 بطانية، 4,625 وسادة لضمان الراحة الأساسية للنازحين.
* شملت المساعدات مصابيح قابلة للشحن، وحليب وحفاضات للأطفال، ووجباتٍ ساخنة، وخبزًا، وحصصًا للنظافة الشخصية، وطعام الإفطار، ومياهًا صالحة للشرب، لتصل مجمل الاستفادة إلى نحو 671,725 شخصًا.
* 3,122 نشاطًا للأطفال لدعم صحتهم النفسية والاجتماعية خلال النزوح.
* 6 عيادات نقالة قدمت خدماتها لـ 1,950 مستفيدًا.
ولم يتوقف دور المرأة عند حدود الإغاثة الطارئة، بل إستمر بعد إنتهاء الحرب، حيث قامت موظفات URDA بزيارة منازل النازحين المتضررة لترميمها وتأمين الدعم المستمر، ما يعكس التزام المرأة اللبنانية على الأرض في مجالات الإغاثة، الحماية، الوقاية وإعادة الإعمار، إنسجامًا مع مبادئ القرار 1325 التي تشدد على المشاركة الفاعلة للمرأة في كل مراحل بناء السلام والأمن.
لقد أظهرت تجربة اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية URDA مدى الالتزام العملي بمحاور القرار 1325 في الميدان، من خلال تمكين النساء والمشاركة الفاعلة في صنع القرار، وحماية الفئات الأكثر ضعفًا، والوقاية من المخاطر، والإغاثة وإعادة الإعمار، إذ طبقت URDA أعلى المعايير الدولية للعمل الإنساني، ضمن تمثيل النساء في مختلف مستويات التخطيط والتنفيذ والمراقبة، ما يعكس رؤية إستراتيجية واضحة لإدماج المرأة في جميع مراحل الاستجابة الإنسانية.
كما برهنت المرأة اللبنانية، من خلال هذا العمل الميداني الرائد، على قدرتها على الابتكار والإبداع والقيادة في أصعب الظروف، سواء في إدارة فرق الإغاثة، أو تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنساء والأطفال، أو متابعة إعادة تأهيل المنازل والمجتمعات المتضررة بعد الحرب. إن هذه الإنجازات تعكس روح المبادرة والمسؤولية العالية للمرأة اللبنانية في كل المجالات، وتؤكد أن مشاركتها ليست خيارًا بل ضرورة لتحقيق السلام المستدام والتنمية الشاملة في لبنان.
