بيل ترو* – (الإندبندنت) –
بينما شرع اتفاق وقف إطلاق النار يترنح بعد يوم واحد فقط من دخوله حيز التنفيذ، يظهر أن مصير المنطقة هو أن تبقى عالقة في حلقة مفرغة من العنف المروع. وعلى الرغم من الوعود المتكررة بالسلام، يكشف الواقع أن غزة ما تزال غارقة في العنف، وسط مؤتمرات متكررة وشخصيات مألوفة، من دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة، مما يجعل أي اتفاق هشاً وعرضة للانهيار.
***
تزامناً مع إعلان دونالد ترامب بزوغ “فجر جديد” في الشرق الأوسط خلال مؤتمر السلام لغزة الذي عقده في شرم الشيخ، ذكرتني منصة “فيسبوك” بذكرى وقعت مثل هذا اليوم قبل 11 عاماً تماماً. كنت آنذاك أيضاً في مدينة منتجعات مصرية أغطي قمة أخرى حول السلام في غزة، عقب حرب دموية أخرى بين حركة “حماس” وإسرائيل.
كان مؤتمر غزة في العام 2014 أيضاً حافلاً بقادة العالم الذين حضروا ليناقشوا من سيدفع فاتورة الإعمار. وكان ذاك المؤتمر أيضاً يركز على “اليوم التالي” للحرب. ومن الغريب أن توني بلير كان حاضراً في ذلك الحين أيضاً.
في ذلك الوقت، تجنب رئيس الوزراء البريطاني السابق أسئلتي بمهارة، مؤثراً التحدث بشاعرية عن القائد العسكري السابق، عبد الفتاح السيسي، الذي كان قد أصبح حديثاً رئيساً لمصر، والذي ما يزال يؤدي دور الوسيط والمستضيف حتى اليوم.
بعد مرور أكثر من 10 سنوات على ذلك الاجتماع، حتى بلير نفسه عاد -هذه المرة بناء على طلب ترامب، كي يترأس ما سُمي بـ”مجلس السلام” بهدف الإشراف على حكم غزة. وعاد الرجال النافذون أنفسهم ليجروا محادثات غامضة مماثلة ويقدموا وعوداً جوفاء لم تتغير -سوى أن الوضع اليوم أصبح أكثر إلحاحاً وخطورة، ووصل العنف درجة لم يسبق لها مثيل.
مرة أخرى، يتحدث الجميع بعبارات متناقضة إلى حد كبير عن حاضر لا يعكس الواقع، ومستقبل خيالي يبدو تحقيقه مستحيلاً بالنظر إلى المشكلات الهائلة التي يجب التنبه إليها ومعالجتها (وهو ما لم يحدث).
قبل مرور 24 ساعة على إعلان دونالد ترامب عن هذا “السلام الدائم”، كان الفلسطينيون ما يزالون يقتلون في غزة، وشاحنات المساعدات تمنع من دخول غزة، بينما اندلع خلاف حول عدم إعادة “حماس” جثث الرهائن الإسرائيليين.
كل هذه العوامل القاتمة، والمتوقعة جداً للأسف، تهدد بانهيار عملية وقف إطلاق النار برمتها.
وقد أفاد مسؤولو الصحة الفلسطينيون عن مقتل سبعة أشخاص أثناء تقفدهم منازلهم في شرق غزة بنيران المسيّرات الإسرائيلية، في انتهاك للهدنة الهشة. وينفي الجيش الإسرائيلي من جهته هذه الواقعة، قائلاً لـ”إندبندنت” إن الأفراد المعنيين تجاوزوا “الخط الأصفر” الذي انسحبت قواته إلى ما ورائه. وفي المقابل، يقول الصحفيون الإسرائيليون إن لدى الجيش خطوطاً غير مرئية يتجاوزها الفلسطينيون من دون علمهم.
وفي داخل غزة نفسها اندلعت مواجهات عنيفة داخلية، وتناقلت المنصات الإلكترونية فيديوهات بشعة تقول التقارير إنها تظهر مقاتلين من “حماس” وهم ينفذون إعدامات ميدانية في ساحة عامة بحق رجال اتهمتهم الحركة بأنهم “مجرمون ومتعاونون مع إسرائيل”.
وفي إسرائيل، دعا أكبر تجمع يمثل الرهائن حكومة البلاد إلى توقيف كل أشكال تنفيذ وقف إطلاق النار بعد اتهامه “حماس” بانتهاك بنود الاتفاق بتسليمها جثامين أربعة أسرى فقط، بينما يجب عليها تسليم 28 جثماناً. ورداً على ذلك، قررت إسرائيل عدم فتح معبر رفح بين غزة ومصر -وهو أحد المعابر الرئيسة لإدخال المساعدات. وسيتم تقليص حجم المساعدات التي تدخل القطاع إلى حين تسليم رفات جميع من تبقوا.
وهكذا، فإن المرحلة الأولية والأساسية من الاتفاق -وقف الأعمال العدائية وتبادل المواطنين من الجانبين وبدء انسحاب آمن على مراحل وإدخال عدد أكبر من المساعدات- أظهرت بالفعل تصدعات كبيرة. ويبدو أنه من المستحيل حتى تجاوز نقطة البداية البسيطة والصغيرة هذه في إطار المهمة الشاقة -بل الهائلة- المتمثلة في محاولة التوصل إلى اتفاق سلام عادل ومنصف وقابل للتطبيق، وهو الأهم، بين إسرائيل وفلسطين. إنها معضلة المعضلات التي يسعى الناس إلى حلها منذ أجيال -حرفياً.
لذلك، عندما ظهر أمامي ذلك الإشعار أمس على “فيسبوك”، مصوراً تلك المصادفة الغريبة بين قمتين عقدتا بعد الحرب في غزة بفارق 11 عاماً بالضبط، أدركت أن إسرائيل وفلسطين والمنطقة ككل ستظل عالقة في حلقة مفرغة مروعة من العنف اللانهائي. ولن يتغير الوضع إلا عندما يظهر التزام دولي صادق بمعالجة مباشرة للقضايا والمشكلات الأساسية التي لم يجرِ التطرق إليها منذ أجيال.
من هذه القضايا: تقرير الفلسطينيين مصيرهم، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والمحاسبة على انتهاكات القانون الدولي، وشق مسار لإنهاء طبقات الصدمة والعنف التي لا تنتهي، لفتح المجال أمام سلام وأمن عادل للجميع. وإلا، فقد نجد أنفسنا وقد عدنا إلى شرم الشيخ في العام 2030 أو ما بعده بقليل، إذا بقي أمامنا أي شيء لنناقشه بعد المذبحة التالية.
*بيل ترو Bel Trew: كبيرة المراسلين الدوليين في صحيفة “الإندبندنت”، تقيم في برلين. غطت منذ انطلاق “الربيع العربي” في العام 2011 العديد من الثورات والحروب في الشرق الأوسط من جنوب السودان إلى اليمن، ومن العراق إلى سورية. تجمع في تغطياتها بين المغامرة والاستقصاء، وتتنوع أعمالها من الأفلام الوثائقية مثل “الجثة في الغابة” وسلسلة التحقيقات مثل “المفقودون”، إلى التقارير الميدانية التي تغطي الصراعات، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتسلط الضوء على أصداء الأحداث في العالمين العربي والأوروبي.
