عروبة الإخباري –
يُعد الانتحار إحدى أبرز القضايا الاجتماعية والنفسية التي تهدد المجتمعات، لما له من آثار مدمرة على الأفراد والأسر والمجتمع ككل. وفي لبنان، تزايدت مخاطر هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة، وغياب الدعم النفسي الكافي، وتفاقم الضغوط اليومية على مختلف الفئات، لا سيما الشباب.
وتشير البيانات الرسمية والدراسات الميدانية إلى ارتفاع عدد حالات الانتحار في لبنان بشكل ملحوظ. ففي عام 2023، سجّل لبنان نحو 168 حالة وفاة بانتحار، مقارنة بـ138 حالة في عام 2022، أي بزيادة بلغت حوالي 21.7٪. ويُقدّر معدل الوفيات الناتجة عن الانتحار بنحو 2.8 لكل 100,000 نسمة، مع احتمال أن تكون الأرقام الفعلية أعلى نتيجة نقص التبليغ وصعوبة الكشف عن جميع الحالات.
تُظهر الفئات العمرية بين 23 و32 سنة أعلى معدلات الانتحار، ما يعكس التأثير الكبير للأزمات الاقتصادية والاجتماعية على فئة الشباب، تليها الفئة العمرية 33–42 سنة.
العوامل المساهمة
تتعدد العوامل التي تؤدي إلى الانتحار في لبنان، ويمكن إجمالها في:
الأزمات الاقتصادية والاجتماعية: يشكل التدهور الاقتصادي، ارتفاع معدلات البطالة، وانهيار القدرة الشرائية، عوامل ضغط رئيسية على الشباب والأسر.
الأمراض النفسية: تشمل الاكتئاب، اضطراب ثنائي القطب، واضطرابات القلق، وهي من أبرز الأسباب المباشرة للانتحار.
الوصمة الاجتماعية والدينية: تمنع العائلات والأفراد من البحث عن الدعم النفسي، وتؤدي إلى التكتّم عن المشكلات النفسية.
العوامل الجغرافية والفردية: بعض المناطق، مثل جبل لبنان والبقاع، تسجّل معدلات أعلى، مما قد يشير إلى تفاوت في الظروف الاجتماعية والاقتصادية أو الوصول إلى الخدمات الصحية.
الآثار المترتبة
تتجاوز آثار الانتحار الفردية إلى المجتمع، إذ يترك وراءه عائلات منكوبة نفسياً واجتماعياً، ويزيد من الضغوط على نظم الرعاية الصحية والنفسية. كما أن التغطية الإعلامية غير المسؤولة قد تؤدي إلى ما يُعرف بـ”تأثير العدوى” أو الانتحار التقليدي، حيث تتأثر بعض الفئات بما تنشره وسائل الإعلام عن حالات الانتحار.
ولمواجهة هذه الظاهرة المتنامية، يمكن اقتراح الإجراءات التالية: تعزيز الوعي النفسي والاجتماعي: تقليل وصمة المرض النفسي والانتحار، وتشجيع الحوار المفتوح حول الصحة النفسية.
توسيع خدمات الدعم النفسي: توفير خطوط مساعدة ومراكز استشارات نفسية مثل الرقم الساخن 1564 لدى Embrace.
تدريب الإعلام على التغطية المسؤولة: لتفادي نشر معلومات تشجع على الانتحار أو تؤدي إلى تأثير العدوى.
السياسات الاجتماعية والاقتصادية: دعم فئات الشباب والمجتمعات الفقيرة، وتحسين فرص العمل والاستقرار المالي لتخفيف الضغوط النفسية.
يظل الانتحار في لبنان قضية معقدة تتطلب تكاتف الجهات الحكومية، والمؤسسات المجتمعية، والأسرة، لمواجهة مسبباته والحد من آثاره المدمرة. إن التعاطي الجاد مع الصحة النفسية، وتوفير الدعم الاجتماعي والاقتصادي، يُعدّ خطوة أساسية نحو حماية الأفراد وتقليل معدلات الانتحار في المستقبل.
