عنيت الفلسطينيين الناجين من نكبة 48 ونكسة 67 ، النازحين من أهل قطاع غزة قبل وبعد كارثة السابع من أكتوبر 2023. تحرير رهائن كانوا ومازالوا فوق الأرض منذ عامين يطاردهم الموت. لم يتغير الحال كثيرا ما بعد اتفاق تعليق العمليات العسكرية الذي تم التوقيع عليه احتفاليا الأسبوع الماضي وكأنه إنهاء للحرب بين إسرائيل وحماس، وصنع للسلام في الشرق الأوسط. سلام يطمح أو يحلم ترمب بأن يكون «أبديا» ينطلق من قطاع غزة إلى ما وراء حدوده الإقليمية في دائرتيه العربية والإسلامية الممتدة عبر الهجرة الطوعية والقسرية والتهجير الناعم والخشن إلى ساحات دولية، من بينها الغرب الذي صارت فيه قضية القضايا في العالمين العربي والإسلامي -القضية الفلسطينية- صارت في حولين كاملين قضية انتخابية وقضية اجتماعية اقتصادية، ثقافية وحتى أمنية.
نعم، متى يتم تحرير نحو مليوني مدني فلسطيني في غزة هاشم من الحقيقة المشوهة والمُغيّبة فيما بين حماس وإسرائيل، في السبب الحقيقي لتعذر استرداد جثامين من تبقى في أنفاق غزة أو تحت ركام أبراجها وعمرانها الاسمنتي والمدني؟ متى يتم تحرير الغزيين، وتنتهي نزعة الحكومة الإسرائيلية لاستئناف الحرب؟
إن صدقت النوايا وخلصت الأعمال، فإن اليد التركية الممدودة للجانبين الإسرائيلي والحمساوي هي وحدها الكفيلة بإبقاء الأصابع على الزناد دون إطلاق النار على الجميع. إن تجدد القتال -لا قدّر الله- سيكون كاشفا لما جرى التوقيع عليه في شرم الشيخ قبل ذلك الحشد الدولي السريع واللافت في بريقه، ربما في تلك المفاوضات -البعيدة عن الأضواء- التي تبعت الإعلان عن خطة ترمب عندما كانت تعدّ إحدى وعشرين نقطة قبل شطب أو دمج النقطة الأخيرة.
كلما تعطل استرداد الجثامين ومنها جثمانا رهينتين من الأمريكيين الإسرائيليين، تحول الصدام بين حماس -وإن تبقى لها من رعاة- تحوّل من نتانياهو إلى ترمب، وعلى نحو شخصي خطر.
بين نماذج إيرلندا الشمالية (الجيش الجمهوري الإيرلندي والجناح السياسي «شين فين»، و»طالبان» أفغانستان و»هيئة تحرير الشام» المنحلة في سورية، ليس بعيدا أن يكون في صفوف من نجا من قصف إسرائيل لحماس الخارج في الدوحة -الذي لن يتكرر بضمانة أمريكية- قد يكون في صفوفهم من سوّغت له نفسه القول، لِمَ لا؟ كل ما يلزم، إعادة تغليف لمنتج قديم وطرحه على أنه «متجدد» ومتعاون فيصير لحماس الجناح السياسي جناح آخر يقلّع شوك تنظيمه «كتائب القسام» وحزبه وسلطته السابقة بنفسه، بحثا عن دور جديد كشريك انتقالي ريثما تكتمل عملية إعادة الإعمار والتي قد تتطلب خمسة عشر عاما.
في التريث دائما حكمة ومنفعة ونجاة. والنأي بالذات عما هو مريب، فيه كثير من الحكمة أيضا، لكن النجاة تتطلب الإقدام مع استيفاء شروط الحصافة والشجاعة، دائما وأبدا. السكوت والتفرج عن بعد لما هو قيد الإعداد والتنفيذ في غزة وساحات أخرى في الشرق الأوسط، أمر خطر أو أقله غير مأمون العواقب. تلك مفخخات من حول دول وازنة واعدة ثمة من يحرص على زرعها ومدها بأسباب الانفجار الموقوت أو التفجير عن بعد.
الوقت ليس في صالح الأخيار للأسف، فالزمن زمن الأشرار، ورأس الشر كل طامع -شرقا وغربا- بالاستحواذ على ثروات مشرقنا العظيم، وأهم ثرواته كانت وستبقى قيادته الروحية كأراضي مقدسة ومباركة للناس أجمعين، كما أراد رب الأرباب سبحانه. الخلاص حرب بلا هوادة استباقية وقائية مع قوى الشر وفي مقدمتها الإرهاب والمخدرات. هذه الأخيرة هي عنوان حرب وشيكة في عقر دار فنزويلا التي قيل إنها استضافت تدريبا وتمويلا وتهريبا، عناصر من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله. من يدري ماذا قدمت إحدى تلك التنظيمات أو جميعها من «معلومات» لإدارة ترمب سرّعت وتيرة تلك الحرب التي يريدها ترمب خاطفة على غرار «مطرقة منتصف الليل» أو حرب الاثني عشر يوما؟! التخادم الوظيفي بين بعض النظم والتنظيمات من أخطر التحديات التي تواجه المعنيين حقا بصنع سلام حقيقي شامل ودائم..
تحرير غزة بين حربي إيران وفنزويلا!* بشار جرار
1
المقالة السابقة
