عروبة الإخباري –
حين نقرأ لآمال مخول، نشعر أننا لا نقرأ نصًّا بل نصغي إلى أنوثة اللغة وهي تتنفس، إلى قلمٍ يكتب بالحبر وبالنبض معاً.
هي الكاتبة التي تعرف كيف تجعل من الحرف مرآةً للروح، ومن الكلمة جسرًا بين الحلم والوجع، بين ما نعيشه وما نخاف أن نعيشه.
آمال مخول ليست مجرّد روائية، بل امرأة تُنصت للكون بلغته السرّية، ثم تُترجم صمته إلى جمال.
في روايتها الأخيرة حقائب فارغة، تمارس مخول سحرها المعتاد: تكتب كمن يلمس الجرح بخفة عاشقة، فتُوجع وتُدهش وتُطهّر في آنٍ واحد.

كل سطرٍ في نصّها نَفَسُ حياةٍ، وكل مشهدٍ فيها يُشبه وعدًا مؤجَّلاً بالحبّ، بالشجاعة، وبالتحرر من الخوف.
آمال مخول تكتب كما تُحبّ: بكرامة، برهافة، وبصدقٍ لا يُشبه إلا نفسها.
هي من القلائل اللواتي يُحوّلن الرواية إلى مساحة وعيٍ وجَمالٍ إنسانيٍّ عميق، في زمنٍ امتلأ بالسطحيات والضجيج.
إنها ابنة الحرف الذي يزهر في العتمة، وصاحبة صوتٍ يقطر دفئًا وأناقة، حيث تمتزج البلاغة بالوجدان، والفكر بالعاطفة، والخيال بالحقيقة.
ليست حقائب فارغة روايةً عابرة، بل هي نشيد الحنين المؤجَّل، وسيرة العاطفة حين ترفض أن تشيخ. آمال مخول، في عملها الأخير، لا تكتب رواية فحسب، بل تنسج قصيدة نثر طويلة تتقاطع فيها التجربة الأنثوية مع الأسئلة الكبرى: من نحن حين نُحبّ؟ ومن نظلّ بعد أن نفقد؟
منذ الصفحة الأولى، يأسر القارئ صوت جنان، المرأة التي لم تعد تخاف مواجهة المرايا، لكنها ترتجف أمام فكرة اللقاء. ومع خالد، الرجل الذي يحمل سفره في جيبه وأحلامه في حقيبة، تُولد حكاية لا تشبه قصص الغرام السهلة، بل تشبه احتراق المطر حين يسقط على رماد القلب.
لغة آمال مخول في هذا العمل لا تُروى… بل تُتنشَّق. نَفَسها السردي يمزج بين رهافة الشعر ودقّة الرواية الحديثة. جملها قصيرة أحياناً كشهقة، طويلة أحياناً كأنها زفرة، تتأرجح بين الخفوت والعصف، لتقول ما لا يقال إلا في الصمت.
في حقائب فارغة، الحبّ ليس خلاصاً بل اختباراً وجودياً، والغياب ليس نهاية بل طريقة جديدة للحضور. كل فصل يُشبه نافذة تُطلّ على حزنٍ ناعم، على حنينٍ يتسلّل كعطر من حقيبة قديمة.
تكتب مخول كأنها تطرّز الكلمات بخيوط الضوء، وكأنها تعرف أن الكلمة يمكن أن تكون حضناً حين يخذلنا الواقع. لم تكتب عن العشق بوصفه افتتاناً عابرًا، بل كقدرٍ يُعيد صياغة الوعي الإنساني.
الرواية محمولة على إيقاعٍ موسيقيّ خافت، تتلوها الكاتبة كما لو كانت ترتّل حكاية من زمن آخر. شخصياتها لا تصرخ، بل تهمس، لكنها تترك في النفس دوياً لا يهدأ.
وعندما تُغلق الكتاب، لا تشعر أنك أنهيت رواية، بل خرجت من تجربة وجدانية نادرة؛ كأنك مررت من عتمةٍ إلى ضوءٍ، ومن ضوءٍ إلى سؤالٍ أكبر.
بهذا العمل، تثبت آمال مخول أنها ليست مجرّد كاتبة سرد، بل صانعة حالة، وأن “حقائبها الفارغة” ليست سوى امتلاء الروح بالحياة والمعنى.
إنها رواية تُقرأ بالقلب قبل العين، وتُكتب في الذاكرة لا على الورق.
فيا لروعة الكاتبة التي جعلت من الفقد جمالاً، ومن الصمت قصيدة، ومن الحبّ فلسفة نضوجٍ إنسانيّ لا يشيخ.

