جون فيفر – (فورين بوليسي إن فوكَس)
في الواقع، يقوم باقي العالم -سرًّا- بتنويع محافظه التجارية والاستثمارية لتقليل تعرّضه لأهواء الولايات المتحدة. وليس الأمر مقتصرًا على كندا والبرازيل. إن هذا التحوّط هو جزء من اتجاه أطول أمدًا لم تؤدِّ تعريفات “يوم التحرير” الجمركية سوى إلى تكثيفه فحسب.
* * *
من بين العديد من المفارقات الوحشية المحيطة بإدارة ترامب، ربما تكون أشدها وقعًا هي التراجع المستمر لمكانة الولايات المتحدة -على الرغم من رغبة الرئيس في استعادة العظمة إلى البلد مجددًا. كان شعار “جعل أميركا عظيمة مرة أخرى” (ماغا) (MAGA) من البداية نوعًا من التسمية المضللة. كان ترامب، بوصفه “ملك الشمس” (1) في عصرنا الحديث، يعتقد دائمًا بأنه “هو” الدولة. فإذا ما تمكنت أميركا من أن تشرق بطريقة ما، فإن ذلك يكون في الحقيقة عائدًا إلى الضوء المنعكس عن جبين الرئيس البرونزي. وفي نهاية المطاف، يتحول الشعار إلى صيغة أخرى: “جعل ترامب عظيمًا مرة أخرى” (متجا) (MTGA).
يعتقد الرئيس المتباهي المزهو بنفسه بأن الصلة تقاس بمدى تكرار ظهوره صورته في عين العامة، ومدى تكرار تقديم القادة الأجانب فروض الطاعة له. ولتحقيق هذه الغايات، استخدم الرسوم الجمركية مثل سوط لإبقاء الدول الأخرى منضبطة. هاجم الضعفاء نسبيًا (فنزويلا)؛ وركب موجة العمليات العسكرية للآخرين (بضرب إيران بعد أن كانت إسرائيل قد أثارت النزاع)؛ وهدد بالاستيلاء على أراضٍ شبه مجردة من الدفاع (غرينلاند). ووعد -بطريقة مبالغ فيها- بإنهاء الحروب -بسرعة وبنفسه بدلًا من العمل عليها بصبر مع مفاوضين مدرّبين.
ترامب حاضر دائمًا في الأخبار -وكذلك حال الولايات المتحدة. ولكن لا ينبغي أن تخلط بين التغطية الإعلامية والأهمية الفعلية. في أقل من عام، دفع ترامب الولايات المتحدة إلى الهوامش. في ظروف مختلفة، ربما كان دور عالمي أكثر اعتدالًا وتواضعًا للولايات المتحدة ليكون موضع ترحيب. لكن ترامب نجح في زيادة حضور أميركا في الأماكن الخطأ، وتقليص نفوذها في المواقع التي كان من الممكن أن تُحدث فيها مساعدة صغيرة من واشطن متعاونة فرقًا كبيرًا.
انسَ أمر (ماغا). بل انسَ حتى أمر (متجا). في ظل حكم ترامب، يتحول النقاش إلى (ماوي) MAUI “جعل أميركا غير ذات صلة”. إن ترامب وزمرته “يجعلون أميركا في نهاية المطاف غير ذات صلة”.
مفقودة في ميدان الفعل
لعل أبرز رمز للولايات المتحدة خلال فترة الحكم الثانية لدونالد ترامب هو كرسيّ فارغ. من غير المرجح أن ترسل إدارة ترامب أحدًا لحضور الاجتماع الدولي المقبل لقادة المناخ في البرازيل في تشرين الثاني (نوفمبر). وهذا ليس مفاجئًا: لم يحضر أي وفد أميركي الاجتماعات الرئيسية للأمم المتحدة بشأن المناخ في شباط (فبراير) في الصين، ولا في حزيران (يونيو) في ألمانيا. وقد أغلق ترامب “مكتب التغير العالمي” في وزارة الخارجية وطرد جميع المفاوضين المعنيين بالمناخ. أما منكرو الحقائق والعلم الذين كلفتهم إدارته بتطهير كل إشارة إلى التغير المناخي وحذف التمويل المخصص للبرامج التي تتناول هذه الأزمة الوجودية الكبرى في عصرنا، فيبقون في منازلهم حيث لا يمكنهم تعطيل المحادثات الجادة بين الراشدين.
كما أن أميركا غائبة عن الحوار العالمي بشأن حقوق الإنسان. فقد انسحبت من “مجلس حقوق الإنسان” التابع للأمم المتحدة. والأسوأ من ذلك أن إدارة ترامب أعلنت الشهر الماضي أنها لن تشارك في آلية “الاستعراض الدوري الشامل”، وهو التقييم الذي يتم إجراؤه لسجل كل دولة في مجال حقوق الإنسان. وكانت الدولة الوحيدة الأخرى التي اختارت الانسحاب من هذا الإجراء المعياري العالمي هي إسرائيل. وتبدو الإدارة عازمة لا على تدمير المؤسسات فحسب، بل الجهاز العصبي لحقوق الإنسان ذاته.
في العموم، مع تركيزه على شعار “أميركا أولًا”، رفع ترامب إصبعه الوسطى في وجه القانون الدولي. دعا الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، المطلوب بموجب مذكرة من “المحكمة الجنائية الدولية” بتهمة ارتكاب جرائم حرب، إلى الولايات المتحدة وفرش له السجاد الأحمر. كما فتحت إدارته الباب أمام شركات التعدين للوصول إلى ترسبات محتملة في أعماق البحار، في انتهاك واضح للقانون الدولي العرفي. وسوف يشكل اقتراحها إزالة جميع الفلسطينيين من غزة جريمة ضد الإنسانية.
وقد صفّق كثير من أسوأ الفاعلين عالميًا -من دول وشركات وأفراد- لإجراءات ترامب. وليست ردود الفعل الإيجابية من الملياردير إيلون ماسك وعمالقة النفط مستغربة. ولكن، مَن كان ليتخيل أن تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم مصنّفة ضمن مجموعة دول مثل روسيا وكوريا الشمالية ونيكاراغوا، وجميعها تعادي النظام الدولي الليبرالي؟ ما تزال بقية العالم تلتزم بالقواعد بسبب خليط من الأخلاق والبراغماتية. غير أن تأثير المخرّب، حيث يُلهم سلوك المنتهك المؤثر للمعايير آخرين بارتكاب تجاوزات مشابهة، قد يضخّم أهمية قرارات ترامب الأحادية.
يلعب الخارجون عن القانون دورًا مبالغًا فيه في الثقافة الأميركية -فكّروا في جيسي جيمس وجيفري إبستين. ولكن مرة أخرى، ينبغي عدم الخلط بين السمعة السيئة والنفوذ الحقيقي. إذا كان ترامب يعتقد أن الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ يجعل أميركا أكثر أهمية، فعليه أن يجادل بأن الدول الثلاث الأخرى التي لم تصدّق على الاتفاق -إيران وليبيا واليمن- هي الفاعلين الأكثر نفوذًا في العالم. (تحذير مخرِّب: هذه الدول ليست كذلك). وقد انضمت الولايات المتحدة الآن إلى هذه الدول في زاوية “الوقت المستقطع” العالمية.
غير ذات صلة في الحرب
في سعيه العبثي وراء جائزة نوبل للسلام، ادعى ترامب أنه حل سبعة حروب عالمية: إسرائيل وإيران؛ رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية؛ أرمينيا وأذربيجان؛ تايلاند وكمبوديا؛ الهند وباكستان؛ مصر وإثيوبيا؛ وصربيا وكوسوفو.
في الواقع، لم يلعب ترامب أي دور يُذكر في إنهاء الأعمال العدائية (كما في حالة أرمينيا وأذربيجان)، أو أن النزاع لم ينتهِ بعد (كما في حالة رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية)، أو أنه لم تكن هناك حرب أصلًا ليحلها (كما في حالة مصر وإثيوبيا). وفي قضية كشمير، أدى ادعاء ترامب الزائف بأنه كان له دور أساسي في إنهاء الأزمة إلى حدوث شرخ في العلاقات الأميركية مع الهند
يشير ترامب إلى هذه النزاعات الأخرى لصرف الانتباه عن الحقيقة الواضحة بأنه لم يفِ بوعد حملته الانتخابية بإنهاء الحروب في أوكرانيا وغزة.
في أوكرانيا، همّش ترامب الولايات المتحدة من خلال فشله في ممارسة الضغط على الطرف الذي أشعل النزاع، روسيا. لم تفعل مغامراته المتكررة مع بوتين -وآخرها في ألاسكا- سوى تشجيع الزعيم الروسي على تكثيف هجماته الجوية على المدن الأوكرانية، وضرب أهداف في غرب أوكرانيا -بما فيها مصنع أميركي- واختبار دفاعات الـ”ناتو” من خلال طلعات الطائرات المسيّرة الروسية فوق بولندا ورومانيا. كما رفض ترامب المضي في تهديده بفرض عقوبات ثانوية على مستوردي الوقود الأحفوري الروسي. وهكذا لم يستمرّ النزاع وحسب، بل تصاعد أيضًا.
في الوقت نفسه، تجاهلت إسرائيل الدعوات إلى وقف إطلاق النار ومضت في هجومها البري في غزة. ولم يفعل ترامب أي شيء لكبح جماح صديقه، الزعيم الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وما يزال الدعم العسكري الأميركي يتدفق على إسرائيل من دون انقطاع. وقد اختفت الانتقادات الأميركية السابقة، ولو كانت خفيفة، لسياسة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. وكان الضغط الوحيد الذي مارسه ترامب، على الأقل في صيغة إدانات، موجّهًا ضد حركة “حماس” الفلسطينية.
وبما أنه كان قد وعد بإنهاء الحربين، لجأت إدارة ترامب إلى التذمّر والشكوى من أن الحلول الدبلوماسية قد لا تكون ممكنة في حالة غزة، وأن الأمر لا يستحق بذل أي جهد إضافي في التفاوض في حالة أوكرانيا.
وماذا عن السلام؟
في الوطن، كانت إدارة ترامب مشغولة بتدمير أسس سمعة البلاد في البحث والابتكار. وقد انعكست التخفيضات الحادّة في تمويل البحث العلمي على الأوساط الأكاديمية والطب والاقتصاد.
في الجامعات، أدت خسارة التمويل والهجمات التي تشنها إدارة ترامب إلى أن ما يصل إلى ثلاثة من كل أربعة أعضاء هيئة تدريس جامعيين سعوا إلى العثور على وظائف خارج البلاد. ووفقًا لتقرير صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور”، فإن “النتيجة هي هجرة معاكسة للعقول لم يُشهد لها مثيل منذ أن لجأ العلماء الأوروبيون إلى الشواطئ الأميركية قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية”. وما تخسره أميركا هو مكسب لأوروبا والصين.
تم تدمير “منشأة وكالة حماية البيئة البحثية”، و”المعاهد الوطنية للصحة،” و”المؤسسة الوطنية للعلوم”. وقد حقق الهجوم على العلم “انتصارات” مُسبقًا من خلال إيقاف أبحاث لقاحات “الحمض النووي الريبوزي الرسول” mRNA الجديدة التي كان يمكن أن لا تعالج الأمراض المعدية فحسب، بل أيضًا السرطان والأمراض المزمنة، وهو ما ترك البلاد مكشوفة وهشة بشكل خطير. انسَ أوكرانيا وغزة: يستطيع ترامب أن يدّعي حقًا أنه أنهى الحرب على السرطان من خلال قطع إمدادات المنح البحثية.
كانت الولايات المتحدة ذات مرة قبلة للعلماء من جميع أنحاء العالم. وتحت حكم ترامب، تصبح أميركا طريقًا مسدودًا على المستوى المهني. وحتى لو أراد الطلاب من جميع أنحاء العالم الدراسة هنا، فقد جعلت الإدارة أمر الحصول على تأشيرة أصعب بكثير. ويُقدّر أن الانخفاض المقدر بنحو 150,000 طالب دولي جديد في الجامعات هذا الخريف لن يضر بتلك المؤسسات فحسب، بل سيكلف الاقتصادات المحلية “ما يصل إلى 7 مليارات دولار من الإنفاق وأكثر من 60,000 وظيفة.”
هذه الجراح التي يتم إلحاقها ذاتيًا ستستمر بعد ذهاب ترامب نفسه. حتى لو استعادت الإدارات اللاحقة التمويل، فإن الضرر الذي لحق بالسمعة قد وقع وانتهى الأمر. من الصعب عكس اتجاه هجرة العقول، والدول الأخرى أكثر من سعيدة بارتداء عباءة مراكز البحث.
ولكن انتظر: ألم تجعل رسوم ترامب الجمركية أميركا أكثر أهمية وليس أقل؟ في الواقع، تحاول كل دولة في العالم تقريبًا عقد صفقات مع واشنطن للعودة إلى حظيرة الرضا الأميركي.
لا تخدعنك عروض التملّق. في الواقع، يقوم باقي العالم سرًّا بتنويع محافظهم التجارية والاستثمارية لتقليل تعرّضهم لأهواء الولايات المتحدة. وليس الأمر مقتصرًا على كندا والبرازيل. إن هذا التحوّط هو جزء من اتجاه أطول أمدًا لم تؤدِّ تعريفات “يوم التحرير” الجمركية سوى إلى تكثيفه فحسب.
في العام 2000، كانت الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول لأكثر من 80 بالمئة من الاقتصادات. واليوم، انخفضت حصتها إلى 30 بالمائة، بينما برزت الصين بوصفها الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة. وتبلغ حصة الولايات المتحدة من الواردات العالمية حوالي 16 بالمائة. وفي المقابل، تمثل القارة الأوروبية وثلاثة من أكبر الاقتصادات الآسيوية مجتمعة 38 بالمائة من إجمالي الطلب على الواردات. ووفقًا لمرصد التجارة العالمية، فإنه إذا أوقفت الولايات المتحدة جميع وارداتها، فإن شركاءها التجاريين الرئيسيين يمكنهم استعادة جميع صادراتهم المفقودة في غضون خمس سنوات.
إن قوة أميركا الناعمة تتبخّر. وكوادرها الدبلوماسية تم تدميرها. وقاعدتها البحثية تُفكّك بسرعة. هذه ليست دولة “سئمت من الفوز”، بل دولة بدأت تتعوّد بشكل خطير على الخسارة.
كان الأمر مروعًا في الماضي عندما كانت الولايات المتحدة تهيمن على كل محادثة عالمية. ويتضح الآن أن العكس -أميركا كقوة يمكن الاستغناء عنها- هو شأن خطير بالقدر نفسه. تمامًا مثل واحد من المشاهير من الدرجة الرابعة، تحظى الولايات المتحدة باهتمام إعلامي -لا بدافع الإعجاب أو الاحترام، بل لمجرّد الفضول المرتبط بمشاهدة حادث قطار بينما يتكشف تحت النظر.
*جون فيفر John Feffer: كاتب وباحث أميركي، يشغل منصب مدير برنامج “السياسة الخارجية تحت المجهر” Foreign Policy In Focus التابع لـ”معهد دراسات السياسة” Institute for Policy Studies في واشنطن. يختص في قضايا السياسة الدولية، والأمن، والديمقراطية، وله مؤلفات ودراسات عديدة تتناول السياسة الخارجية الأميركية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى مقالات تحليلية منتظمة تُنشر في منصات فكرية وإعلامية مختلفة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America the Irrelevant
هامش المترجم:
(1) ملك الشمس Sun King: لقب يُطلق تاريخيًا على الملك الفرنسي لويس الرابع عشر (1638–1715) الذي حكم فرنسا لأكثر من 72 عامًا (1643–1715)، وهو أطول من حكم أي ملك أوروبي في التاريخ. اختار هذا اللقب لأن الشمس كانت ترمز إلى القوة المركزية والنظام الكوني، ولأنه أراد أن يُقدَّم بوصفه محور الدولة: “أنا الدولة” (L’État, c’est moi). في عهده بلغت الملكية المطلقة في فرنسا ذروتها، وتميز عصره بالترف الثقافي والفني وبناء قصر فرساي.
