في ظل العولمة واليسار المنحل المختل الذي تحالف مع شذّاذ الآفاق من ممارسي «التقية» وأفّاقي خوارج العصر، صار القبض على جمر الهوية، الحصن الأخير في معركة البقاء.
لم تعد المسألة صراعا سياسيا يُحسم في الديموقراطيات البرلمانية خلال عدد متفق عليه من السنين، كل أربع سنوات في أمريكا على سبيل المثال، بل صار الأمر وجوديا يمس أقدس المقدسات: الإيمان -الانتماء الروحي- والوطن والأسرة.
تحت وقع ارتفاع نسب الجرائم سيما البشعة منها، تلك التي تزهق الأرواح وتنتهك الأعراض، يرجع الناس إلى جذورهم الراسخة حيث الأمن والأمان والسلام، حتى وإن كان من الناحية الشعورية، بما فيها تلك المتخيلة والتي قد لا تكون حقيقية، جزئيا أو كليا.
منذ نحو عقدين، تحديدا منذ ولاية أوباما الأولى بدأ العالم الجديد والقديم في معايير ما قبل قيام أمريكا، بدأ بالشعور بالخطر الداهم عبر ضفتي الأطلسي باتجاه أوروبا أولا، ومن ثم إلى العالم كله. جن جنون اليسار، وبلغ من التغول حد الارتداد الجماهيري إلى النقيض، ليس وحده اليمين أو المحافظون الذين عادوا وبقوة إلى أكثر من ساحة غربية، بل وأقصى يمين اليمين صالوا وجالوا في ساحات كانت محسوبة تاريخيا على اليساريين التقليديين من اشتراكيين وشيوعيين، وأعني بذلك أمريكا اللاتينية. المفاجأة الكبرى كانت في انتخابات البرازيل والأرجنتين والسلفادور وفنزويلا، بصرف النظر عن السلطات الحاكمة الآن التي يبدو أنها أمام تحديات وجودية هي الأخرى وقد اقتربت من مياهها الإقليمية قطع بحرية أمريكية.
على ضفتي الأطلسي عاد البريطانيون، في إنجلترا تحديدا، عادوا إلى التعبير عن تشبّثهم بهويتهم الوطنية التاريخية برفع علم إنجلترا الأبيض والأحمر الذي اتخذ من صليب القديس جورج رمزا له. التقط ماسك -عبر الضفة الأخرى من الأطلسي- الرمز فأعاد تغريده مرفقا بإحصاءات مروعة عن تداعيات ما سمي «صراع الثقافات» والنتائج الكارثية للتراخي في قوانين الزيارة، والعمالة، والإقامة، والمواطنة. الإحصاءات ليست إنجليزية أو بريطانية فقط، فهناك ما يشابهها أوروبيا، خاصة غربا وشمالا، في الدول الاسكندنافية التي علت فيها الأصوات الشاكية من تداعيات ما سمي زورا وبهتانا «الربيع العربي»!
في المقابل شهدت أمريكا ظاهرة رفع العلم الكونفدرالي استياء من تغول واشنطن دي سي عندما سيطر عليها يسار الحزب الديموقراطي. تفاقم صراع الهويات في بلاد العم سام منذ حادثة جورج فلويد بكل ما أحاط بها من سجال حول دور المخدرات التي كان دمه مشبعا بها عند توقيفه، وصحافة التسييس والتدليس والإثارة والتحريض في طرح ملف العلاقة بين الشرطة والأمريكيين السود أو المنحدرين من أصول إفريقية ومن يسمون «الملونون» في أمريكا، كناية عن الفئات التي لا تحسب ضمن الأمريكيين البيض أو المنحدرين من أصول أوروبية.
ولغايات في نفس يعقوب، تم إقحام العلمين الأمريكي والفلسطيني ورايات نظم وتنظيمات مدرجة على لائحة الإرهاب في أمريكا كإيران وحزب الله وحماس، تم إقحام ذلك على أمل التأثير على الانتخابات الرئاسية، ولما فشلت صار الهدف التنغيص على الجمهوريين خاصة حركة «ماغا» ومؤيدي ترمب، فقام ناشطون من شبكة متحالفين حزبيا وحراكيا برفع أعلام غير أمريكية وحرق العلم الأمريكي «الاتحادي» لا الكونفدرالي كما كان يفعل بعضهم في سلسلة سابقة من المواجهات!
وكما حسم في ولايته الأولى قضية التماثيل والرموز الوطنية الأمريكية التاريخية وحماها بعقوبة تصل إلى عشر سنوات وراء القضبان، قام ترمب بالتوقيع على أمر رئاسي يقضي بسجن من يقوم بحرق العلم الأمريكي عاما كاملا على أن يُثبَّت ذلك في قيد المعتدي على العلم والمسيء إليه في سجله الإجرامي -الجنائي- الأمر الذي يعني الكثير سياسيا واجتماعيا وماليا.
قد يقول أحد الطيبين: وما لنا وهذا؟ إنما هي إرهاصات من المفيد استشعارها واتخاذ إجراءات استباقية وقائية، رادعة لكي من تسول له نفسه -الأمّارة بالسوء- المس ولو بخيال رمز أو راية..
من كان في نفوسهم مرض يستحقون العلاج، تلك خدمة إنسانية وواجب وطني. لا هوية إلا تلك المنسجمة مع المواطنة، المنبثقة عنها، المصونة بها. ما عندنا «هواوي»، جمع هوية بالعامية الشامية! رايتنا راية الثورة العربية الكبرى. وعلمنا علم المملكة الأردنية الهاشمية.. أي شعور، حديث، سلوك، موقف لا ينسجم مع هذه الراية وهذا العلم، من واجب وحق الدولة أن تصوب اعوجاجه، حتى يصح الصحيح في قضايا كثيرة منها ما هي ثمار المواطنة الصحيحة الصالحة، من مزايا قانونية، وأمنية، واجتماعية، واقتصادية. هذا ليس مجرد عقد اجتماعي، إنه ميثاق غليظ يرقى إلى مراتب العهد ولا يصونه إلا الأمين.
الهوية بعيدًا عن «الهواوي»!* بشار جرار
2
المقالة السابقة
