عروبة الإخباري –
لم يعد السؤال عن ضياع أموال المودعين مجرد سؤال مالي؛ إنه سؤال عن انهيار منظومة بأكملها. اليوم، وبعد الإفراج عن حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة بكفالة مالية قدرها 20 مليون دولار إضافة إلى 5 مليارات ليرة لبنانية، يعود الجدل إلى الشارع: هل نحن أمام بداية العدالة أم أمام مسرحية جديدة لإغلاق الملف؟
منذ 2019، تهاوى النظام المصرفي اللبناني، ومعه أحلام الناس ومدخراتهم. أكثر من 100 مليار دولار تبخرت، المودعون عالقون بين المصارف التي أغلقت أبوابها في وجههم، والمصرف المركزي الذي فشل في حماية أموالهم، وسلطة سياسية غارقة في الصفقات والفساد. في المقابل، كبار المتورطين يتمتعون بالحصانات أو يجدون دائمًا طرقًا للهروب من المحاسبة.
هل رياض سلامة وحده المتهم؟
رياض سلامة ليس مجرد موظف كبير أخطأ في التقدير. الرجل متهم بجرائم مالية ضخمة: الاختلاس، الإثراء غير المشروع، تبييض الأموال، التزوير. التحقيقات أشارت إلى تحويلات مالية بملايين الدولارات عبر شركات مثل Forry Associates، وفضائح مثل أوبتيموم للاستشارات التي استفادت من تعاملات مشبوهة مع مصرف لبنان. لكن السؤال الأهم:
أين السياسيون الذين وفّروا الغطاء لسياساته النقدية طوال عقود؟ أين المصارف التي هرّبت أموال النافذين إلى الخارج في عز الانهيار؟
أسئلة لا يجرؤ أحد على الإجابة عنها:
كيف يمكن للقضاء أن يقبل كفالة مالية من شخص متهم بسرقة المال العام، بينما المودعون لا يستطيعون سحب حتى بضع مئات من أموالهم؟
من الذي سمح بتهريب مليارات الدولارات إلى الخارج في عز الأزمة بينما أُقفلت الأبواب في وجه صغار المودعين؟
لماذا لم نرَ أي خطة جدية لإعادة الأموال المنهوبة منذ أربع سنوات من الانهيار؟
كيف يمكن لشعب أن يثق بدولة تحمي سارقيه وتتركه غارقًا في الفقر؟
هل الكفالة التي دفعها سلامة هي ثمن الحرية المؤقتة أم ثمن إسكات العدالة نهائيًا؟
من يجرؤ على محاكمة السياسيين الذين استفادوا من الهندسات المالية وحصلوا على حصصهم؟
هل يمكن أن نصدق أن العدالة ستصل يومًا إلى الرؤوس الكبيرة في ظل نظام طائفي يحمي الفاسدين؟
العدالة الغائبة أم المسرحية المستمرة؟
لبنان اليوم أمام مفترق طرق خطير: إما محاسبة حقيقية تطال كل المتورطين، أو تثبيت منطق الإفلات من العقاب الذي أوصل البلاد إلى الانهيار. المودعون فقدوا الثقة بالمصارف، بالدولة، وبالقضاء. السؤال الأكبر:
هل هناك دولة أصلًا لتُعيد الحقوق؟ أم أن المسرحية مستمرة، والجمهور – أي الشعب – لا يزال مجبرًا على مشاهدة فصولها حتى النهاية؟
