عروبة الإخباري –
أيّ عقل يقبل اليوم أن يخرج علينا رجل أعمال أميركي، مهما كان نفوذه، ليقول للبنانيين ببرودة: “انضمّوا إلى سوريا”؟ وكأننا قطعة أرض في مزاد علني! وكأن دماء الشهداء الذين سقطوا على أرض هذا الوطن مجرد حبر قابل للمحو! هذا ليس مشروع وحدة، ولا حلّ للأزمات، بل وقاحة سياسية تُخفي وراءها أجندة أخطر: تكريس وصاية جديدة تحت راية أمن إسرائيل، وبأدوات الضغط الأميركية والغربية.
أولاً: خطاب الوصاية بثوب الوحدة
ليتحدّث براك عن “ضم لبنان” في هذا التوقيت يعني شيئًا واحدًا: هناك من يريد إقناعنا بأن الخلاص لا يكون إلا بالتخلّي عن سيادتنا. هذا الطرح ليس حبًا بسوريا ولا بلبنان، بل خدمة لمنظومة تسعى منذ قرن لإعادة صياغة المشرق بما يناسب مصالحها ومصالح تل أبيب. أليس هذا امتدادًا فاضحًا لسايكس بيكو بنسخته الحديثة؟
ثانياً: أي وقاحة بعد كل هذا الدم؟
كيف يجرؤ أحد على الحديث عن ضمّ لبنان إلى دولة احتلت أرضه يومًا، وفرضت عليه نظامًا أمنيًا، ودخل جيشها إلى كل قرية لبنانية؟ هل نسي هؤلاء أننا عشنا ثلاثة عقود تحت قبضة سورية ثم خرجنا بثمن باهظ من دماء أبنائنا؟
الوحدة لا تُفرض تحت الدبابات، ولا تُصنع في مكاتب المستثمرين. من يريد وحدة حقيقية يبدأ من الاحترام، لا من خطاب الاستعلاء وإلغاء الهويات.
ثالثاً: الضم ليس حلًا… بل بداية الانفجار
هذا الكلام ليس بريئًا؛ هو بالون اختبار يُراد منه قياس قابلية اللبنانيين للتنازل عن دولتهم مقابل أوهام “الخلاص”. الحقيقة أن الضمّ لن ينقذ أحدًا، بل سيغرق لبنان وسوريا معًا في فوضى أعمق، لأن الكيانين اليوم في وضع هشّ، وأي محاولة لدمجهما ستفتح شهية القوى الإقليمية والدولية على اقتسام النفوذ علنًا.
هل يريد براك أن يُحوّل لبنان إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات الأميركية والإسرائيلية مع إيران؟ هل يريد أن يضعنا في قلب نار لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟
رابعاً: لبنان ليس للبيع… ولا للتبعية
نعم، لبنان في أزمة خانقة، لكن من قال إن الحل في تسليم رأسه للجلاد؟ من قال إن الكرامة الوطنية تُباع مقابل مساعدات مشروطة؟ إذا كانت واشنطن صادقة في حرصها على استقرار لبنان، فلتكفّ عن العقوبات الجماعية التي تخنق الشعب السوري واللبناني معًا، ولتضغط على إسرائيل كي تلتزم بقرارات الأمم المتحدة بدل أن تحمي احتلالها وتغطي اعتداءاتها.
رسالة إلى براك ومن يقف وراءه: لبنان ليس محافظة للبيع، ولا مقاطعة للتأجير، ولا رقعة في لعبة الأمم. السيادة ليست شعارًا، بل حياة أو موت، وكل من يعتقد أن بإمكانه استبدال علم الأرز بخرائط نفوذ جديدة، سيكتشف أن هذا الشعب، مهما انقسم، لا يساوم على كيانه.
الزمن الذي كانت فيه الخرائط تُرسم في غرف مغلقة انتهى. ومن يحاول إعادة إنتاج سايكس بيكو سيُواجه شعوبًا تعرف أن الكرامة لا تُشترى بالدولار ولا تُباع بالحصار.
