العمر الذي يُقضى بين العسكر ليس مجرد سنوات؛ إنه تحوّل بطيء للعقل إلى آلة دقيقة تعرف متى تنهض، متى تصمت، متى تأكل، ومتى تطلق النار، الانضباط هناك ليس قيمة إضافية، بل هو شرط للبقاء، مثل الهواء والماء.
كل شيء محسوب، كل تفصيلة تُراقب، وكل خلل صغير قد يجرّ جيشاً كاملاً إلى الهاوية، وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: أن من عاش بهذا النسق الحديدي يجد نفسه غريباً حين يعود إلى عالم المدنيين، كأنّه يخرج من غرفة صامتة محكمة الإغلاق إلى سوق يعج بالضوضاء، فلا يعرف كيف يتنفس.
في صفوف المدنيين يبدو كل شيء مفتوحاً بلا نهاية، القرارات مرنة، الالتزامات مرهونة بالمزاج، والقوانين تتحوّل إلى توصيات تُكسر حين يشاء الفرد، لا حين تفرض الدولة، العسكر يُدرَّبون على أن الأمر أمر، لا يقبل النقاش، بينما المدني يتباهى بأنه يفاوض على كل شيء، حتى على ما هو محسوم.!
هنا يولد الصراع الداخلي: من تمرّس على الطاعة الدقيقة يجد نفسه عاجزاً عن فهم معنى الحرية التي تتجاوز حدود المسؤولية. الحرية عند بعض المدنيين ليست مشروعاً للارتقاء، بل فرصة للانفلات.!
المفارقة أن العسكري حين يُزجّ في المعركة، يتعامل مع الموت وكأنه رقم، ومع الحياة كأنها مهمة ينبغي أن تُنجز. أما المدني، فيتعامل مع تفاصيل صغيرة كأنها قضايا مصيرية، يرفع صوته من أجل كلمة أو شعور، ويهمل في المقابل المعنى الأكبر للنظام والعدل والواجب. هنا يشعر العسكري السابق أن أكثر المعارك ضراوة ليست تلك التي خاضها في ساحات الدم، بل تلك التي يخوضها في محاولة تفسير عقول لا تعترف بالصفوف ولا بالنظام.
هناك شيء يشبه الكابوس في هذه الرحلة، العسكري يعرف أن الفوضى تقتل، رأى بأم عينه كيف تسقط كتيبة كاملة لأن جندياً واحداً لم يلتزم بالأمر. وحين يعود إلى عالم المدنيين، يجد أن الفوضى ليست قاتلة هنا، بل هي ثقافة يومية، يتنفسها الناس كما يتنفسون الهواء. يرونها دليلاً على العفوية، على الحياة، على التنوع. بالنسبة له، هذا يُشبه السير على أرض لزجة: كل خطوة بلا خطة قد تقود إلى السقوط.
لكن الحقيقة أعقد من ذلك. العسكري لا يدرك أحياناً أن النظام الصارم الذي أنقذه في الحرب قد يصبح عبئاً في السلم وهذا ما أعاني منه شخصيا منذ عدت جريحا من الحرب وعدت أمارس أعمالي المدنية بعد ثلاثين سنة من التواجد وسط العسكر في مناطق الصراع ، المدنيون لا يعيشون في معركة، بل في عالم تتسع فيه الاحتمالات. الفوضى التي تُرعبه قد تكون عندهم بذرة للإبداع، والمزاجية التي يعتبرها خيانة للنظام قد تكون مرونة في مواجهة الحياة. ومع ذلك، يبقى بين الطرفين جدار لا يُهدم.
إنه صراع داخلي يشبه الغربة، العسكري السابق يعيش بين الناس لكنه لا يشعر أنه منهم. يراقب تفاصيلهم كمن يراقب مخلوقات من عالم آخر: ضحكات عالية في وقت غير مناسب، اعتراضات لا تنتهي على القرارات، قدرة على قلب الأولويات بين ليلة وضحاها. بينما هو ما زال يسمع داخله صدى التعليمات: انضباط، صفوف، دقة، تنفيذ، كلما حاول أن يتأقلم، اصطدم بحقيقة أن قلبه ما زال ينبض بإيقاع الطبول العسكرية، بينما العالم من حوله يعزف موسيقى الفوضى.
هذه المفارقة تولّد سؤالاً فلسفياً عميقاً : هل الانضباط أعلى من الحرية، أم أن الحرية أسمى من الانضباط؟ العسكري سيجيب بلا تردد: الانضباط يحمي الجميع. المدني سيجيب بذات الحزم: الحرية تحفظ الإنسان. وبين الإجابتين، ينشأ شرخ يزداد عمقاً كلما غاب الجسر الذي يجمع بينهما. ذلك الجسر ليس سوى الحكمة: أن تُدرك متى تحتاج إلى الصرامة الحديدية، ومتى تسمح للخيال أن يتنفس.
لكن الوصول إلى هذه الحكمة ليس سهلاً، العسكري القديم قد يرى في نفسه بطلاً مأزوماً: انتصر في ساحات الحرب، لكنه مهزوم في أسواق الحياة المدنية. والمدني قد يراه شخصاً يحاول فرض النظام على فضاء لا يُحتمل فيه الحديد. كلاهما على حق وكلاهما على خطأ. فالحياة ليست ثكنة عسكرية، ولا فوضى مطلقة. إنها مساحة رمادية تتطلب أن يتعلم الإنسان كيف يجمع بين الانضباط والحرية، بين الصرامة والعفوية.
ومع ذلك، يبقى الألم حاداً، كيف تقنع عقلاً تشكّل بين صفوف الجيوش بأن الضجيج ليس دائماً خيانة؟ كيف تقنع عيناً رأت الدماء تسيل بسبب خطأ بسيط أن التساهل قد يكون أحياناً فضيلة؟ هنا، في هذه المنطقة الرمادية، يولد الصمت. العسكري القديم يصمت لأنه يدرك أن الكلمات لن تجدي، والمدني يصمت لأنه لا يعرف أصلاً أن هناك جرحاً مفتوحاً في قلب من أمامه.
إنه صراع بين زمنين. زمن عاش فيه العسكري حياته محكوماً بالصفوف والأوامر، وزمن يعيش فيه المدني حياته محكوماً بالأهواء والاختيارات. وحين يلتقي الزمنان، يحدث ارتباك في الروح، ارتباك لا دواء له إلا بالاعتراف: أن كل طرف يرى العالم من نافذة مختلفة.
قد يكون الحل في أن يتحول العسكري السابق إلى حكيم، لا جندياً تائهاً، أن يفهم أن الفوضى، رغم قسوتها، هي أيضاً درس في الصبر، وأن المدنيين، رغم عشوائيتهم، يملكون قدرة على النجاة بطرق لم يتعلمها في المعسكرات. وهنا يتحقق التوازن: أن يعرف متى يمد الحديد ليصنع جسراً، ومتى يترك الماء يتدفق ليمنح الحياة.
ومع ذلك، تبقى الحكمة النهائية مظللة بالمرارة. فالذي ذاق النظام الحديدي سيبقى يرى الفوضى خطراً، والذي عاش في الفوضى سيبقى يرى الانضباط قيداً. إنها معادلة لا تنكسر، لكنها تكشف عن سرّ أكبر: أن الحياة لا تُختصر في معركة ولا في سوق، بل في القدرة على حمل الذاكرة دون أن تتحول إلى لعنة.
هكذا يصبح العسكري القديم شاهداً على مفارقة الوجود: عاش ليحمي الناس من الفوضى في الحروب، ثم وجد نفسه غريباً في فوضى حياتهم اليومية. عاش ليتقن الصرامة، ثم اكتشف أن الصرامة وحدها لا تكفي. ربما هنا يكمن الدرس الأكبر: أن الإنسان، أياً كان تاريخه، محكوم بأن يتعلّم من تناقضاته.
ختاماً المدني يظن أن الفوضى حياة، والعسكري يعرف أنها موت مؤجل؛ فالوطن لا يحرسه ضجيج الأسواق، بل صرامة الصفوف.
من المعركة إلى السوق.. صراع الجندي مع الفوضى* د. محمد العرب
4
المقالة السابقة
