اختتمت الفنانة الإماراتية أحلام فعاليات مهرجان قرطاج الدولي لهذا العام، وهي تستعيد مع جمهورها مسيرة فنية امتدت على نحو ثلاثة عقود، واجهت فيها الكثير من التحديات، لتصبح اليوم واحدة من نجمات الموسيقى العربية. هي أول فنانة خليجية تعتلي خشبة مسرح قرطاج وهي اليوم رمز للمرأة الخليجية التي تمسكت بحلمها وتحدت الانغلاق لتصنع اسما لن ينسى.
“أنتم أول جمهور أقف أمامه على خشبة مسرح، فأول مسرح صعدت عليه لأغني هو مسرح قرطاج قبل 28 عاما،” هذا واحد من أهم تصريحات الفنانة الإماراتية أحلام خلال حفلها في اختتام الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان قرطاج الدولي.
قبل نحو ثلاثة عقود، وتحديدا عام 1998، لم يكن حدث اعتلاء الفنانة أحلام مسرح مهرجان قرطاج حدثا شخصيا يعلن عن ميلاد فنانة ستكون لها مسيرة فنية مهمة تتعاون فيها مع أشهر الملحنين والشعراء العرب، وإنما كان حدثا خليجيا بامتياز، فهي أول فنانة خليجية تغني في قرطاج، وعودتها إليه إنما هي لحظة تأمل للسنوات التي مضت بين الحفلين، أي تحديات واجهتها الفنانة؟ ما الذي تغير في أحلام الماضي وأحلام الحاضر؟ كيف كانت الطريق إلى النجاح من فنانة شعبية تغني في الأفراح إلى “الملكة” كما تحب أن يسميها جمهورها؟ كيف انتقلت أحلام من مغنية هاوية إلى اسم لا أحد يمكن أن ينكر حضوره وأهميته في الموسيقى الخليجية والعربية؟
هذا الحدث يمكن أيضا قراءته بأبعاد أخرى، ففي ذلك الزمن كانت منطقة الخليج تعيش انغلاقا ثقافيا وفنيا كبيرا، ولم يكن الفن يحظى بالأهمية التي يحظى بها اليوم، لا على المستوى الشعبي ولا السياسي، وبالتأكيد لم يكن سهلا على امرأة من بيئة محافظة أن تتمسك بحلمها في أن تكون فنانة خليجية، وفي أن تحظى بالتقدير على ما تقدمه من فن، فعشرات النساء غنين في الأفراح وبقين حبيسات الشكل الشعبي للفن والنظرة الشعبية للفنانة عموما.
راهن البعض على فشل حفل أحلام في تونس، هاجمها الكثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي، وجه لها آخرون اتهامات، تنمر عليها العشرات، رغم ذلك جندت كل فريقها الاتصالي للترويج لحفلها في قرطاج، منذ نحو شهر أو أقل بقليل وهي تسأل الجمهور ماذا يحب أن تغني له؟ تنقل استعداداتها للحفل، تفاصيل رحلتها إلى تونس، لحظة وصولها، كيف تمت استضافتها، المؤتمر الصحفي، البروفات التدريبية مع الفرقة، لقاءها بفنانين تونسيين، لم تنس أدق التفاصيل، عادت إلى أرشيفها لتنشر ذكرى صعودها على مسرح قرطاج لأول مرة، صورها آنذاك، وماذا كتبت الصحافة. ثم أكدت أنها لن تغادر بعد الحفل كما يفعل أغلب الفنانين المشاركين في مهرجان قرطاج وإنما ستخصص وقتا للسياحة، ولتعريف جمهورها بمناطق جميلة في تونس.
حملة سياحية – ثقافية كبيرة نظمتها الفنانة، تتجاوز ما تقوم به جهات خاصة وحكومية تونسية وفي مقدمتها وزارة السياحة، حملة تنظم إلى عدد كبير من المواطنين الخليجيين الذين تحملوا مشقة السفر ليشهدوا حفل أحلام في قرطاج، ويستمتعوا بسهرة لا تنسى مع جمهور تونس، الجمهور الذي يعطي كل فنان حقه.
صعدت أحلام مسرح قرطاج وكلها فخر بما استطاعت أن تحققه طوال سنواتها الماضية، وربما صوتها يقول: “لقد استطعت أن أحقق ما كان يراه الناس مستحيلا، وكنت أراه حلما بعيد المنال،” وهي تقف متأملة الرحلة الممتعة والصعبة من فنانة بدأت بالظهور في حفلات الزفاف في الخليج في أواخر الثمانينات، قبل أن تنطلق بشكل رسمي عام 1995، إلى نجمة خليجية وعربية يحسب لها ألف حساب.
بعد مقدمة موسيقية لأغنية كوكب الشرق “ألف ليلة وليلة”، أطلت أحلام على جمهورها التونسي لتغني “ناويلك على نية”، ولتؤكد: “اليوم كأنني أقف لأول مرة أمامكم، وعندما تكون البداية من قرطاج فالاستمرارية حتما تكون من نصيب الفنان، فشكرا من القلب.”
طوال ثلاث ساعات، قدمت أحلام أمام جمهورها حفلا مبهرا بكل المقاييس، سواء على مستوى الأداء أو الفرقة الموسيقية المصاحبة لها، أو تقنيات الإضاءة والصوت، وحتى اختيارها للأغاني. غنت من أرشيفها الفني، راوحت بين القديم والجديد واختارت أكثر أغنياتها شهرة، منها “مثير” و”بطلنا نحب” و”ما يصح إلا الصحيح” و”تدري ليش” و”عايش حياتك” و”ليه مضايق” و”رأس قمة.”
والمتأمل في مسيرة أحلام، حتى وإن لم ترقه أغانيها، سيلاحظ تمسكها باختيار الكلمة واللحن الجميلين، فقد تعاونت مع كبار الشعراء في الخليج مثل الأمير بدر بن عبدالمحسن، والأمير خالد الفيصل وسامي الجمعان وصالح باظفاري، أما من جانب الملحنين فتعاونت مع العشرات، ومنهم الأمير أحمد بن سلطان “سهم”، والهرمي وناصر الصالح وغيرهم، إلى جانب الموزعين الموسيقيين، وكل واحد منهم ترك بصمة واضحة على كل أغنية تعاون فيها مع فنانة تمسكت بحلمها في أن تصبح نجمة الخليج الأولى.
قدمت الفنانة أغاني كثيرة وراء كل واحدة منها حكاية، وراءها قصة كتبها شاعر مرهف الإحساس، تعبر عنه أو عن ملامح حياتنا، بعضهم شعراء كتبوا لها أكثر من مرة، مثل الدكتور المسرحي والشاعر السعودي سامي الجمعان. مطربة اختارت لنفسها هوية فنية مميزة، وفي حضورها في تونس هذه المرة، لم تنس أن تغني تونسي، وأن تتعاون مع عازفين تونسيين. قدمت أغنية “المقياس” للفنان التونسي زياد غرسة، رمز موسيقى المالوف التونسية.
“من بداياتي قال لي الإعلامي الراحل نجيب الخطاب إن الجمهور التونسي يحب أغنية المقياس وطلب مني أن أغنيها، قدمتها وأحبها الجمهور ومنذ ذلك الحين يطلبها مني جمهوري دائما،” هكذا بررت أحلام أداءها للأغنية التونسية التي اختارت أن تقدمها كلوحة استعراضية متكاملة، مصحوبة بلوحة راقصة قدمها راقصون من الفرقة الوطنية للفنون الشعبية بمسرح أوبرا تونس، وهم يرتدون “الملية” وهي زي تونسي تقليدي ترتديه النسوة في حفلات الأعراس، ثم أصبح زي الراقصات.
الحفل لم يكن مجرد حفل فني ساهر تحييه فنانة ثم تغادر، بل هو تأكيد على أن الصبر والعزيمة والاستمرار يصنعان المعجزات، وبأن أحلام قد تكون نموذجا لكل فنان/ إنسان عامة يرى حلمه صعبا أو مستحيلا، يتردد في المغامرة نحو تحقيقه، تضعف عزيمته، وأحيانا يشعر كأن الطريق طويلة والداعمون قليلون، بل نادرون، العثرات كثيرة والبيئة غير مساعدة، لاسيما إن كان الحالم امرأة، فحتى لو تغير الزمن وتطورت المنطقة العربية لا تزال التحديات أمام النساء أكبر من تلك التي يواجهها الرجال.
واجهت أحلام طوال مسيرتها انتقادات حادة، بعضها اتهمها بأنها السبب في غياب فنانات كثيرات عن الساحة، ربط البعض بين وفاة الفنانة التونسية ذكرى محمد وبين أحلام، يراها البعض أيضا فنانة مغرورة ومتسلطة، بينما تؤكد هي دائما أنها تريد أن تظل امرأة قوية، ولا فرصة أمامها لتظهر ضعفها، كيف لا وقد تحدت كل الظروف العائلية الصعبة والانغلاق المجتمعي لتصبح أحلام التي نعرفها اليوم.
وهي تختتم قرطاج، لفتت الفنانة الإماراتية الانتباه إلى مسيرتها، سلطت الضوء على الطريق الذي اختارته، فقد حافظت على صورة المرأة /الفنانة التي تريد، لم تسلك الطريق الأسهل للنجومية والشهرة، لم تستسهل اتباع الكلمة المبتذلة ولا اللباس الفاضح ولا موضة الأغاني “الرديئة” التي تستفز في المستمع مشاعره كي توجه لحبيبه الخائن وصديقه الغدار، أبشع الكلمات، بل التزمت بصورة الفنانة الدقيقة في اختيار الكلمات عذبة، حتى وهي تعاتب وتتحدى وتتوعد، وباختيار ألحان تحترم قيمة الموسيقى العربية، والتراث الموسيقي الخليجي، والتزمت بصورة الفنانة المحتشمة، في زمن تتعرى فيه كثيرات كي يحققن شهرة سريعة. لقد قدمت وصفة واضحة لكل من يريد النجاح، بأن من يريد يستطيع.
