كتب الدكتور عبد الله رجا الزعبي (مواليد 1932) فصولًا في مذكرات شخصية وسيرة مطولة بالخبرة والمواقف والتجارب الإدارية العالية، التي طاف فيها دول العالم الذي سأل عنه المؤلف بعنوان الكتاب «كيف أصبح العالم قريتي؟» لقد كان الزعبي أشبه بمندوب دائم للأردن في عالم التطوير الإداري، فحجز مقعده مبكراً نتيجة لقدراته ومهاراته وعلاقاته.
بدأ الكتاب بمقدمة المؤلف التي حملت الكثير من مشاعر الوفاء والصدق والامتنان للعائلة وللمحيط الذي عاشه الزعبي، في مجتمع زراعي فلاحي، كانت طفولته فيه قد تشكّلت شخصيته هناك، كما يقول في مجالس العائلة والشيوخ مع وجهاء الرُمثا، بضم الراء كما يحب أهلها لفظها.
وفي المقدمات اتصال بالشهادات التي عاصرها الزعبي وعاصرته، أحمد عبيدات وكامل العجلوني وعلي محافظة وأكرم قورشة ومحمود أبو الخير، الذين أشادت شهاداتهم بخبرة الزعبي وعلو كعبه في الخبرة الادارية.
الإداري الرفيع والطالب المشاكس في مصر الناصرية التي عركته وأبدع فيها بالمشاركة الطلابية في رابطة الطلبة الأردنيين والفلسطينيين خلال عقد الخمسينيات، وهناك كان للطلبة والسياسة عملهم الخاص وحضورهم الكبير وتاريخهم الذي يستحق أن يكتب.
محمد أنيس مؤرخ مصر العظيم علّم الزعبي الكثير، وتأثر به، وآنذاك حضر معه عبد الباري دره و إحسان بكر الذي تولى رئاسة الديسك المركزي لتحرير جريدة الأهرام يومها.
ومحمد أنيس كان أستاذًا كبيراً في التاريخ الحديث، وأنجب ما قدمت مصر، ظهر في سيرة الزعبي أكثر من مجرد أستاذ، ويومها كان الطلبة الأردنيون أكثر من مجرد طلبة وافدين، بل أرادوا أن يتعلموا كل شيء وأن يدخلوا مقاصد السياسة والفكر بحب وشهية كبيرة، ويكفي الطلبة أحيانًا أن يجدوا أستاذًا يؤثر بهم، ويحدث الانعطاف بحياتهم، والفرق الكبير بين الزعبي ومن شهد له بخبرته ومن عاصره أنه لم يقبل أن يكون موظفاً من أهل الطاعة والانحناءات.
نعود إلى المؤرخ محمد أنيس الذي يقول الزعبي عن علاقته به وبزملائه: «كنّا نجلس معه جلسات حوارية مطولة نستمع فيها إلى تحليلاته في السياسة، التاريخ وتبادل الآراء حول القضايا المعاصرة..»(ص 83).
سكن الزعبي في مصر يوم كان يؤدي سنة التوجيهي للعام الدراسي 1953-1954 في باب اللّوق، في شارع عبد الحميد سعيد، وآنذاك سكن معه أحمد الخصاونة ومحمد إبراهيم الذياب ووحيد الحلبي وبسام الشريدة ونمر الزناتي الذي يقول بأن لقاءه ونشاطاته الاجتماعية أكثرها كانت معه، ومن طرفي (كاتب السطور) أقول: إن نمر الزناتي قصة فريدة أيضاً في المروءة والطيب والكرم، تعود جذورها في الأصالة والمجد إلى زمن الدولة العثمانية، ومعه اشترك الزعبي بنادي البلياردو وكانا يحضران أفلام السينما معًا في قاهرة الثورة والزمن الناصري ووعود التحرير ثم النكسة فيما بعد.
سيرة عبد الله الزعبي، أكثر من مذكرات أو توثيق بل تاريخ حافل وشهادة على تجارب عديدة في العمل الإداري والوعي السياسي للأردنيين وكيف تشكلت رؤيتهم للدنيا.
