في حفل تخريج الفوج الستين الذي كان فارقاً ولافتاً هذا العام في الجامعة الأردنية، تحدث الرئيس د. نذير عبيدات بأن الجامعة الاردنية هي فكرة الأردنيين الوطنية لوطن عاش لغيره قبل أن يعيش لنفسه، وأن الجامعة فكرة وطنية سكنت قلوب الأردنيين، وهي قارورة حب صنعتها سواعد الأردنيين، وقد جعل الرئيس في أربع سنوات خلت خطاب التخريج منتظراً لأنه أدرك معنى الزمن والمكان. وما أجمل حديثه حين تحدث عن إعادة تعريف الجامعة لدورها. إنه رئيس حَذّر في أربع مناسبات خلت لتخريج الأفواج من 56- 60 من اليقين المطلق ومن الغلو في العقل وعدم المغالاة في إدانة الآخرين، ودعا الطلاب للغوص في صفحات الكرم والصف، فما مجال هذه الاخلاق وهذا الخطاب، فهذا رئيس تستحقه الأردنية.
وقد عَجَم الرئيس المحترم ذو الهمة والأخلاق هذا العام عيدانه فاختار انداها وأصلبها معرفة في آن، وانتدب رئيس قسم اللغة العربية صاحب الإشكاليات الكبرى في النحو والمجدد في المسائل النحوية د. معاذ الزعبي ليقدم عرافة الحفل، ذلك تكريم للكلية الأولى والقسم الأم الذي أسّسه الكبير ناصر الدين الأسد ورفاقه الاوائل، وتكريم لمكانة الأستاذ النابه الذي جدد في قسمه وعلمه، ليكون الزعبي صوت الترحيب وصوت الإعلان عن زمن الآباء وفرح الأمهات وانتظاراتهم لكي يعود إليهم الأبناء مسلحين بالمعرفة.
سبق التخريج موعد التجديد لدورة ثانية للرئيس المحترم د. نذير عبيدات، الذي أدرك قيمة مكانته وقمية كرسي الرئاسة، فعدا عن التصنيفات (التي لا تهمني كثيراً) جلب الرئيس المزيد من الوقار لمكانة الرئيس وموقع الجامعة في المجتمع، أعاد الاحترام، جدد القاعات واطلق أوسع حملة ابتعاث لإنقاذ الأقسام العلمية من الجمود، وهي اقسام تعنتت عن الابتعاث والتجديد.
عادت الجامعة كأهم علامة معرفية في البلد، وأكبر شركة علمية يملكها المجتمع، في كل قرية كنت أقول: إن الأردنيين رأوا الدنيا عبر امتداد أبناء القرى ودخول اجيالهم إلى الجامعة الاردنية من دبة حانوت إلى الشجرة والطرة ومن غور الصافي إلى ام السّرَب. أما فرع العقبة الذي حاول كل أسلاف الرئيس عبيدات إدانة خيار نشأته والانفاق عليه وكأنه نبت شيطاني، فكان من اخلاق الرئيس ومروءاته أن حوله لفرع جاذب واغدق عليه ما يناسبه وجدد في تخصصاته، وحتى حفل تخرجه صار أكثر أناقة من أي زمن واحتفى بطلبة وأبناء الفرع كما يليق بالأم الكبيرة، ليقول من ثغر الأردن ومنطلق النهضة العربية أرض فيصل الأول ودار الحسين بن علي: أنا الأردنية ولا مكان لغيري من فروع وشركات تعليم ناشئة، وأنا من يرسل نداء النهضة من ثغر العقبة بوابة الفتح ومع ريح الصبا نحو أرض الحجاز، والعقبة أول من خطط لها محمد الأسد والد ناصر الدين الأسد الذي جلس نذير الكبير مكانه ورد إليه الاحترام، أعني المكانة والكرسي، وأعاد التحية للرئيس المؤسس أبا بشر يوم احتفينا به في كلية الآداب عام 2024 في ذكرى مئوية مولده. وقصة تكريم الكبار والاحتفاء بهم شرط من شروط البقاء والوفاء لقيمة ما أنجزوه.
الجامعة عادت اليوم وهي بأفضل حال، وأمام الرئيس فرصة كبيرة ليقدم ما هو جديد، وأكثر وضوحاً نحو المستقبل، رؤية واضحة، لحال المعرفة والتمويل والتوسع، يجب ان نعرف مصير حرم الجامعة هل ستبقى الكليات جميعها في ذات المكان المزدحم، هل يمكن أن نرى كلية طب ومستشفى أطفال في أرض شفا بدران؟ وماذا عن نظام الدخول للجامعة هل سيبقى بتصاريح ومزاجية وأزمة مرور لا نعرف كيف تحل، لماذا لا يكون لكل موظف تصريح مشفر يلصق على سيارته وتقرأه كاميرا بوابة الدخول، ومن يريد المرور من خارج مجتمع العاملين يجب ان يدفع ثمنا للتصريح لكي يتجنب الأزمة، هل يبقى مركز الدراسات الاستراتيجية مرتهن بحمى الاستطلاعات؟ ومشاريع بحثية حسب الدعم الخارجي؟ أين خطته المعرفية؟ وأين تقارير دراسة الحالة التي أسس لها مصطفى حمارنه في دراسة حالة معان؟ وماذا عن تقارير الاستدامة؟
عموما لا اريد ان أفسد فرحتنا بالتجديد للرئيس المحترم جداً، واعود للفيديو لأسمع د معاذ الزعبي خيرة الكفاءات وسيد المعاني، وهو يخاطب ذوي الخريجيين قائلاً: الجامعة تِرب سيدنا الراحل الحسين وقد ولدت في العام 1962 شمسان شمس المعرفة وشمس الوطن مع عبدالله الثاني، وقال أيضاً: هذا ثوبنا! وهاكم أبناءكم وقدا اعددناهم بالمعرفة وكأنه يستحضر قول الشاعر «ليوم كريهة وسداد ثغر» وقد طوقناهم بالحنو والحب والآمال، ليكونوا فرح الدنيا ووعينا للقادم من معترك الأيام التي وجدَ د. نذير أن لا خريج يصلح لخوض معركتها، دون مهارات في اللغة وفي التكنولوجيا فأعاد النظر في خطط الدراسة، ووسع الاهتمام بحقل اللغات والمعرفة الرقمية، لقد قرأ الأستاذ الرئيس سرّ البطالة في مصائر الخريجين، واجتهد لكي لا يكون الخريج حامل شهادة وحسب، بل حامل رسالة نحو أسرته ومجتمعه ووطنه، وهذا يكفي للتجديد له مُددًا طولى في الرئاسة فبارك الله له لأنه فكر في المكان وأهله وبالدولة ككل.
أخيراً هل التصنيف هو الذي أبقى على الرئيس لمدة جديدة أم البحوث في شركة سكوبس؟ لا قطعاً؛ فالدولة لا ترى ذلك سببا كافياً، والجامعات الكبرى بدأت تنسحب من التصنيفات ومندوبي سكوبس السامين يعرفهم الجميع، فالمراهن على ذلك خسران، والرئيس قال إن العالمية جاءت للجامعة من خلال الاعتراف بباحثيها الكبار وليس من بوابات شركات النشر والتصنيف، فالكوادر العلمية هي التي حققت لها التميز.
فما أبقى عليه، هو لأنه أدرك المكان ووعى شروطه، واعتنى بأهل بيته الجامعي ولم يبخل عليهم، وكان يستمع للنقد ويحتفي به، ولم يطرب للمديح الزائف؟ بقي نذير مع الاحترام لألقابه التي استحقها، لأنه اعتلى عن الانحدار، وعاف المتحدرين نحو السفاسف، ولأنه خليق بمكانه، وواعٍ لشروطه وأهميته في وجدان الناس ووعي الدولة.
الجامعة الأردنية: هذا ثوبنا* د. مهند مبيضين
11
المقالة السابقة
