عروبة الإخباري –
في زمنٍ امتلأ بالضجيج، وضاعت فيه الحدود بين القوة والوقاحة، أصبحنا نعيش واقعًا مؤسفًا تُهان فيه القيم، وتُسحق فيه الأخلاق تحت أقدام الأصوات العالية، والنفوس الفارغة.
نعم، نحن في أزمة أخلاق حقيقية.
لم يعد سوء الخلق حالة نادرة أو سلوكًا مرفوضًا يُحاسَب عليه صاحبه، بل بات، وللأسف، سلوكًا “عاديا” عند البعض، بل ويُنظر إليه بإعجاب في بعض الدوائر.
تُرفع الأصوات، تُهان الكرامات، يُقطع الحوار، ويُمارس التنمّر بوقاحة، وكل ذلك تحت ذريعة: “هكذا أنا”، أو “الصراحة راحة”، وكأن قلة الأدب أصبحت رأيًا شخصيًا يجب احترامه!
ما الذي حدث؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟
كيف تحوّل الصراخ إلى لغة، والفظاظة إلى أسلوب حياة؟
كيف أصبحنا نخجل من التهذيب، ونبرر الوقاحة بأنها “ثقة بالنفس”؟
ولماذا لم يعد الناس يربطون بين الأخلاق والقوة، بل بين القوة وسوء الخلق؟!صراخ النقص وسوء الخلق: حين يصبح الانحدار الأخلاقي سلوكًا يوميًا
في زمنٍ تضج فيه الأصوات وتعلو فيه المظاهر، يبدو أننا دخلنا مرحلة من التدهور الأخلاقي الصامت، حيث تفقد العلاقات معناها الحقيقي، ويذبل الود الإنساني، ليحلّ محلهما نمط متزايد من السلوك الفظّ والمتوتر.
لم يعد سوء الخلق حالة استثنائية أو انفعالًا عابرًا، بل أصبح – عند كثيرين – أسلوب تواصل، وسمة شخصية، ومظهرًا لما يُظن أنه قوة وهيمنة.
لقد بات الصراخ لغة حوار يومية، والفظاظة عنوانًا للقوة، حتى غدا الذوق والتواضع في نظر البعض ضعفًا لا يُغتفر، لا سيما في بيئات اجتماعية تخلط بين الشدة والحزم، وبين الغلظة والثقة.
الوجه الخفي لسوء الخلق: صراخ النقص
ما يغيب عن النقاش العام، هو أن هذه التصرفات القاسية ليست إلا تجليات لنقص داخلي عميق، وصراع صامت في داخل النفس.
فالشخص الذي يعلو صوته ليقول “أنا موجود”، لا يفعل ذلك لأنه يملك الثقة، بل لأنه يخشى أن يختفي في صمت الآخرين، أو أن ينكشف ضعفه.
هو غالبًا ضحية مواقف سابقة أُهين فيها أو كُسر، ورضخ لأنه كان بحاجة، لكنه اليوم يعوّض بالعنف ما خسره من كرامة في السابق.
إنه عاجز عن ترميم ذاته، ومهووس بإثبات حضوره، ولو على حساب علاقاته وإنسانيته.
ليست المؤهلات معيارًا للأخلاق
كم من أصحاب شهادات ومناصب يفتقرون إلى الحد الأدنى من التهذيب، وكم من بسطاء يمتلكون رصيدًا ضخمًا من الرقي الإنساني؟
فالحقيقة أن الأخلاق لا تُقاس بدرجات التعليم أو سلم الوظائف أو حجم الحسابات البنكية، بل تُقاس بعمق السلام الداخلي واتزان النفس.
والمكتمل إنسانيًا، هو من لا يحتاج إلى أن يصرخ ليثبت نفسه، ولا إلى أن يُقصي الآخرين ليتقدم هو.
منظومة الأخلاق: مشروع مجتمع لا خيار فيه
نحن بحاجة ماسّة إلى إعادة الاعتبار للأخلاق، ليس كشعارات في الندوات، بل كمشروع متكامل يبدأ من البيت ويترسخ في المدرسة ويتعزز في المؤسسات.
علينا أن نخصص في مدارسنا وقتًا يُحدّث فيه التلاميذ عن معنى الأخلاق، لا كمادة ثانوية، بل كأصل من أصول الحياة.
أن نُعلّمهم أن الاحترام لا يعني الضعف، والصمت لا يعني الخوف، والتواضع لا ينتقص من المكانة.
خاتمة: ما بين الضجيج والصمت فرقٌ في الوعي
في زمن كثر فيه الضجيج، وقلّ فيه الأدب، نحتاج أن نربي أجيالًا تعرف كيف تُصغي، تحترم، وتتكلم بوعي.
جيلٌ يدرك أن الخلق الرفيع ليس مظهرًا يُرتدى، بل موقف يُمارس، وأن الرقي الحقيقي يبدأ من الداخل، لا من نبرة الصوت.
