أحسن النشامى من الغيارى على المحتوى الأردني أو ما تسلل إليه من محتويات لا تمتّ للأردن بصلة وإن خرجت من أزقة إحدى أحياء مدنه، أحسنوا صنعا بتعرية بعض المحتويات المسيئة دائما، والموسمية في وتيرتها!
أدهشني جدا وأضحكني كثيرا محتوى أشبه ما يكون بكوميديا المعاتيه أو الحمقى الثلاثة «ذا ثري سْتوجِزْ» الأمريكية الشهيرة منذ أيام الأبيض والأسود والتي استمرت نصف قرن من مطلع عشرينيات إلى سبعينيات القرن الماضي! كان ذلك المحتوى «حوارا» على قارعة الطريق وكأنه جولة ميدانية استطلاعية لآراء الناس أجرته شابة مع شاب على ما يبدو في ممارسة لتلك البدعة التي سماها متعهدو «المجتمع المدني المفتوح» بالصحفي المواطن، أو صحافة الشارع لغايات نشر ما عرف لاحقا بالثورات الملونة في أوروبا، وما سموه زورا وبهتانا «الربيع العربي».
«الحوار» ولا أريد الترويج لفحواه أو لمن لعبت دور «الصحفية» ودور «رجل» الشارع، ظهر فيه «تاتو» في صدر المشهد، وابتسامة كتلك التي تشي بسلوك غير سوي أو غير حميد لصاحبه. الحديث كان عن قضايا من العيار الثقيل وأزمات حامية من «قاع الدست». ولو أخذنا جدلا أن الكلام «أخذ ورد» ما دامت الديموقراطية متاحة بكل ما يتصل بها من حريات تعبير، فإنه من اللافت خرق صاحب الوشم أو الوسم «التاتو»، خرقه لأكثر من «تابو» بمعنى المحظور، حتى ظننته خلال تنظيره عن الحلول العسكرية والسياسية والاقتصادية للتعامل مع كارثة غزة، وكأنه «كومندار» عالي الرتب رفيع الأوسمة، في «الناتو»!
للأمانة، المقابلة كانت كاشفة أكثر مما قد يخلص إليه خبراء مشاركون في حلقات بحث نقاشية في جامعة مرموقة أو خلوة عصف فكري للمشغولين بقضايا أردننا المفدى ومملكتنا الحبيبة. فصاحب التاتو لا تابو لديه، لا في انتماء ولا ولاء! كان مباشرا في جحوده لنعمة العيش بكرامة وأمن وأمان في الأردن، مواطنا كان أم لاجئا أم مقيما بمعنى الضيف المعزز المكرم ما دام يحترم آداب الضيافة والإقامة ويصون ما فوقها من مكارم..
الطامة الكبرى، أن ما بدا من أفواههم واحد في المحصلة، أمنيا وسياسيا وحتى اقتصاديا واجتماعيا. «هم» هنا تعود للجاهل والمتعلم للأسف، لمن يصنفون في الاستطلاعات الميدانية برجل الشارع أو باحث أو ناشط أو سياسي أو إعلامي أو أي مهنة أخرى. فالكارثة أن تكون منطلقات وخلاصات الخطاب العبثي العدمي واحدة، رغم أن ما تلفّظ به حامل التاتو من السهل صبغه بالضحالة والسوقية إلا أنها في المضمون أقل خطورة مما يبخ سمومه بعض «المنظرين» القابعين خلف الشاشات والمنصات بربطات عنق أو بدونها! ومن يدري ما تحت اللبوس من «تاتوهات» أخفتها بعض «التابوهات» الخاصة بالممول والموجّه عن بعد، فالأجندة المعادية العدائية واحدة.
القضية ليست القضية الفلسطينية أو السورية أو أي قطر عربي شقيق، ولا هي بالخلاف الذي لا يفسد للود قضية حول سبل إيقاف حرب غزة أو أوكرانيا، القضية الأساسية هي وضع حد لمن يزعمون أو يظهرون في الشاشات والمنصات على أنهم أردنيون وما فيهم ذرة من حميّة أو غيرة إزاء هذا الحمى الأردني العربي الهاشمي الأصيل. من أعظم الشعارات التي ارتبطت بالعهد العبدليّ الزاهر، شعار «الأردن أولا»، ومن الهتافات العفوية التي أطلقها الشيخ الجليل الأستاذ المحامي خليل الصبيحي رحمه الله من كنف المسجد الحسيني كان «الأردن أصيل لا بديل»، فالله نسأل ألا يبقى فيه سوى الأصلاء في انتمائهم وولائهم من شتى الأصول والمنابت، ما داموا أردنيين قولا وعملا، غير ذلك فلا أقل من تجريدهم مما لا يستحقون الظهور باسمه في «الدراسات والاستطلاعات» بأنهم من حملة الجواز الأردني أو أرقام وطنية أردنية كرعايا المملكة الأردنية الهاشمية. مؤلم وخطر أن يُحسب عليك عدوك. لم تعد الإساءات محصورة بمحاولة نصرة بعض المغرر بهم أو المتحمسين، نصرتهم لفلول «الإخونج» أو ملالي طهران أو غيرها من اللاعبين الإقليميين، صار الاستهداف في العمق، في الهوية وتلك مسألة من الخطر التهاون فيها تحت أي يافطة أو ذريعة.
«تابو» «تاتو» الناتو؟!* بشار جرار
17
