عروبة الإخباري –
في زمنٍ باتت فيه الذاكرة قصيرة، والمواقف تُقاس بالترندات واللحظات العابرة، وقف تلفزيون لبنان كجبلٍ لا تهزّه رياح النسيان، فقد أثبت أنّ الإعلام ليس فقط مهنة، بل رسالة وضمير وموقف نبيل، في وقت رسمت لوحة وفاء عز نظيره.
وحين لفّ الحزن شاشات الوطن، خبر رحيل الإعلامية هدى شديد، لم يكن مجرّد إعلان وفاة، بل وجع علني بثّه تلفزيون لبنان بقلب لا يلبس الحياد، ولم تكتفِ المحطة بخبر عاجل، بل فتحت أرشيفها، وذاكرتها، وكرامتها المهنية، وقدّمت صورة تليق بإعلامية قاومت بالكلمة، وحملت الصحافة على كتفيها، حتى في زمن المرض.
كما عرض تلفزيون لبنان الرسمي، تغطية مباشرة من بيت العزاء، ولقطات من مراسيم التشييع، وكلمات زملائها الذين انهاروا على الهواء، لأن “هدى لم تكن زميلة، بل روح مؤسسة”.
استعاد التلفزيون لحظات عزّها، وصوتها الحادّ، ومواقفها السياسية التي لم تجامل، بل اختارت أن تكون مرآة الناس لا مرآة السلطة.
المايكروفون تحوّل إلى شمعة. والكاميرا إلى مرثية.
لم تكد دموع اللبنانيين تجف، حتى غاب زياد الرحباني، المبدع الذي قالت عنه أمه فيروز يومًا: “هو صدى ضمير الناس الذين لم يصرخوا بعد”.
لكن الصمت ما كان خيارًا لتلفزيون لبنان.
بل تحوّل الاستوديو إلى مسرح وداع، نُقل فيه:
مشاهد التشييع من بيروت إلى بكفيا.
لقطات مؤثرة من جنازته، بظهور نادر لـفيروز.
بثّ خاص لأبرز أعماله الموسيقية والمسرحية، التي حملت وجع الوطن وضحكته السوداء في آنٍ واحد.
تغطية لا تبكي فقط، بل تخلّد.
لم يكن مجرد بث… بل كان وفاءً وطنيًا نادرًا
في رحيل هدى شديد وزياد الرحباني، اجتمع كل ما هو أصيل في الذاكرة اللبنانية:
الصحافة التي لا تُساوم.
المسرح الذي يوجع.
والتلفزيون الذي لا يخون حين يحين الوداع.
كان يمكن أن يكتفي تلفزيون لبنان بلقطة، أو خبر عابر. لكنه اختار أن يكون صوت من لا يُنسى، وضمير وطن يحنّ إلى الكبار حين يرحلون.
شكرًا تلفزيون لبنان…
لأنك كنت وفياً في زمنٍ سريع النسيان.
لأنك أبكيتنا باحترام، لا باستغلال.
لأنك علمتنا أن الإعلام، حين يتحوّل إلى دمعة، يكون أصدق من ألف خطاب.
وداعًا هدى… وداعًا زياد.
غبتما عن البث، لكنكما باقيان في الصوت والذاكرة… إلى الأبد.
