عروبة الإخباري –
بقلمٍ من وجع، وأذنٍ تصغي لصوت فيروز كما لو كان صلاة، رسمت باسكال حرب وداعها لزياد بالكلمات، كما ترسم بالعتمة ضوءًا، وبالحنين حياة.
في لحظة صمت، جلست الفنانة التشكيلية، باسكال حرب، تستمع لصوت فيروز. لا تشغّل الأغنية من أجل الطرب، بل من أجل النجاة. فيروز هنا ليست مغنية، بل أمٌ تحتضن جرح العالم. صوتها لا يأتي من حنجرة، بل من ذاكرة مشتركة، من وجدان أمة، من أرشيف الوجع الجميل.
تقول باسكال، وهي ترثي زياد الرحباني، إن صوت فيروز صار أضعف، ليس لأنه خفتَ، بل لأن أنفاسه مخنوقة برحيل الابن، بالشوق للغائب الذي لطالما أعاد ترتيب الفوضى على طريقته. زياد الذي اختار أن يكتب الحزن بلغة السخرية، ويغني الانهيار بموسيقى لا تشبه إلا بيروت وهي تنام على ركام وتستفيق على أمل.
في وداع زياد، لم تبكِ باسكال فقط، بل جعلتنا نبكي بحرقة، وهي التي رسمت وجعها بالنص، و جعلت من الكلمات خطوطًا، ومن الجمل ألوانًا باهتة على قماش الذكرى. كتبت:
“بسمع صوت فيروز، بأوّل خيوط الأمل بيوشوش ع شباك الحنين… بس اليوم، ما قادرا اسمع غير أنفاسها عم تختنق…”
ليست وحدها من سمعت فيروز تختنق، نحن أيضاً فعلنا. نحن الذين كنا ننتظر زياد ليقول ما لا نعرف كيف نقوله، أن يعزف لنا خرابنا بنوتة فيها سخرية، فيها جنون، فيها حكمة عجوز وسخط شاب.
باسكال تسأل: “شو نفع البكي؟”
ونسأل معها. ماذا بقي لنا من كل هذا الإرث الجميل سوى الذكريات؟ إذا كان الحنين صار البديل عن الأحبة، فهل فيروز تكفي لنخدع الوقت عن الغياب؟
وتختم:
“فما أتلفه العمر تُصلحه فيروز، وداعاً زياد الرحباني.”
وكأنها تقول: لا عزاء لنا إلا أن نُبقي صوت فيروز حيًا، لأن فيه تسكن كل الحكايات التي رحل أصحابها.
