كتب سلطان الحطاب
صباحي كان عبوساً حزيناً، إنه يوم ذكرى وفاة والدتي، فاطمة، التي رحلت في مثل هذا اليوم، قبل ست سنوات، رحلت في المستشفى، وقد كتب الله لي أن أكون عندها في اللحظة الأخيرة، كانت في “كوما” منذ شهر من الزمان، حين وقفت عند رأسها وأمسكت بيدها وأنا على إحساس أنها متوفاة، كما جاء في تقرير الأطباء الذين قالوا أنها لم تعد قادرة على الحياة، وانهم سيرفعون عنها الأجهزة، كنت اخاطبها واتحدث معها كما لو أنها تحدثني، كانت دموعي تنهمر، وكان ذلك اللقاء الأخير، وقبل أن أترك يدها، تحرك إصبعها الشاهد ليضغط على يدي، وكأنها تودعني.
كنت اتذكر تلك اللحظة، اليوم صباحا وإذا بهاتفي يرن، لم أكن ارغب بالرد، ولكن شاشة التلفون كانت أمامي وتكرر الرنين، فأمسكت الهاتف كان على الخط صديقي أبو أحمد محمد علاوي، الذي تذكرت ان والدته كانت في المستشفى، وأردت فوراً قبل ان يتكلم أن أسأل عنها، ولكنه كان أسرع مني بالقول لقد رحلت الآن والدتي، فانتابني الحزن أكثر، وقلت الله أكبر، كانت اللحظة قاسية فقد كنت مغموراً بالحزن على أمي.
لكم الله أيتها الأمهات ولأبنائكن وبناتكن الصبر ، فال أصعب من رحيل الأم، إنها تترك الأبناء مهما كبروا كالأشجاب المخلوعة من الأرض والتي قطعت جذورها.
أمضيت دقائق من الصمت واعتزلت العالم، وتخيلت الآسى الذي يغرق فيه الفاقدون، فالراحلون حين يرحلوا قد يرتاحوا، فقد انتهت مهمتهم وغادروا، ولكن الحزن على الفقد دين ثقيل، وشدة لا تعادلها شدة حين يلتقي العمر في لحظة مختصرة واحدة تتجمع في التذكر الذي لا يتسعه الوقت.
ترحل الأم، تغيب الشمس، يحّل الظلام على الروح التي تعودت الضياء الذي توفره الأم بحياتها وهي تشع على البيت كله.
حين تصادر من اللغة كلمة “أمي” تصبح اللغة ناقصة ويصبح مكان كلمة أمي وكأنه فراغ مخيف لا يملأه شي.
العزاء العميق لروحي التي فقدت وما زالت تفقد، فهذا الفقد للأم لا تنتهي أبداً، وعزائي للصديق أبو أحمد الذي تجرع أمس كأس الفراق الصعب لامه، ومعه أخوانه وأخواته وأولاده كلهم، فاقد ويحتسب عند الله.
ما أعرفه أنه كان باراً بوالدته وأنه أوقف وقته، وجهده عليها وسهل وعمل من أجل ان يخفف عنها، وقد صدق رسول الله حين قال، إذا مات إبن آدم، أنقطع عمله الاّ من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، وانا اعرف ان عمل أم محمد، ديانا علاوي، التي رحلت عن أكثر من ثمانين سنة، لم ينقطع عنها مما ينقطع عن الميت، فقد ظل متصلاً لها ما قاله الرسول (ص) وخاصة الدعاء لها بالرحمة والمغفرة والأجر والثواب العظيم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله
