لورنس دافيدسون* – (كاونتربنش) –
منذ العام 1917 و”إعلان بلفور”، “استعمرت” السردية الصهيونية، إن صح التعبير، الذهن الأميركي. وتحقق ذلك من خلال التكرار المستمر لهذه السردية -بواسطة الإعلام إلى حد كبير- حتى أصبحت جزءًا من رؤية البلاد الدولية الخاصة.
* * *
ثمة في قلب البنية الراسخة منذ أمد طويل للسياسة الخارجية الأميركية مصالح خاصة قوية (جماعات ضغط، أو “لوبيات”). وهي مصالح قادرة على إحلال مصلحتها الضيقة محل المصلحة الوطنية. والأكثر قوة ونجاحًا من بينها هي مصالح اللوبي الصهيونية.
وهي كذلك على الرغم من أن الصهاينة يعملون كوكلاء لقوة أجنبية، بهدف ضمان دعم الولايات المتحدة للمصالح القومية لإسرائيل. ونفوذهم لدى كلا الحزبين السياسيين في الولايات المتحدة متجذر بعمق.
ولذلك، ما كان ينبغي أن يتفاجأ أحد عندما دعم كثير من الديمقراطيين، بشكل غير معلن، هجوم الرئيس الجمهوري دونالد ترامب على إيران (التي يمكن القول بأمان بأنها عدو لإسرائيل، وليس لأميركا). أو أنهم، في أفضل الأحوال، قصروا اعتراضهم على مسائل إجرائية، مثل “قانون صلاحيات الحرب” الذي فقد، للأسف، قدرته على التأثير.
بالنسبة لعدد كبير من السياسيين الأميركيين، فإن “الحقائق” الوحيدة التي تستحق الاهتمام هي تلك التي تتماشى مع الدعاية الإسرائيلية. وسوف يعلن هؤلاء السياسيون دائمًا، مستشهدين بالسيناتور تشاك شومر، عن “دعم حديدي لا ينكسر” -وهو دعم يعني في جوهره الوقوف مع الدولة الصهيونية بغض النظر عن الظروف العامة.
ويأتي الادعاء بأن الهجوم الإسرائيلي المفاجئ على إيران في 13 حزيران (يونيو) 2025 كان ممارسة لـ”حق الدفاع عن النفس” كأحد التوابع المنتشرة لهذا الموقف.
ويُقال هذا على الرغم من أن إيران، في الواقع، لم تكن تهدد إسرائيل (برنامجها النووي، بحسب الأدلة، كان سلميًا كل الوقت)، بينما كانت إسرائيل، في المقابل، هي التي تهدد إيران -حيث أقنعت نفسها، كمجتمع وطني، بخوفٍ جنوني مما قد يفعله الإيرانيون بمعرفتهم النووية (هولوكوست إسرائيلي)؟ في مستقبل غير معروف. وبطبيعة الحال، لا يمكن للهجوم الإسرائيلي الغادر سوى أن يدفع القادة الإيرانيين إلى التفكير في تحقيق ذلك الكابوس الإسرائيلي بالضبط.
المال يدعم السردية
كيف يمكن أن تمحو السردية الإسرائيلية الواقع الإجرامي للإبادة الجماعية في غزة، أو الطبيعة السلمية الثابتة للبرنامج النووي الإيراني، من أذهان هيئتين أميركيتين منتخبتين (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) تنطويان على إمكانية الوصول إلى مرافق بحثية واستخباراتية هائلة؟ وكيف يمكن أن يتمسك الديمقراطيون بموقف “الدعم غير القابل للكسر لإسرائيل”، في حين أن جزءًا كبيرًا من قاعدتهم الانتخابية أصبح، أخيرًا، يشكك فيه؟ الجواب عن هذين السؤالين هو ذاته.
يعتمد النجاح أو الفشل في السياسة الأميركية في النهاية على الفوز بالانتخابات. ونادرًا ما تُحسم الانتخابات الأميركية على أساس مسائل السياسة الخارجية، التي يعرف الجمهور القليل عنها.
لكنها تعتمد، في المقابل، على جمع الأموال. ومنذ أجيال، كانت جماعة الضغط الصهيونية مصدرًا رئيسيًا للمال اللازم لمختلف أنواع الانتخابات، ولصالح كلا الحزبين.
ولم يقتصر عمل هذا المال على المساهمة في تحقيق الانتصارات الانتخابية فحسب، بل خلق تحالفًا مصلحيًا بين السياسيين والصهاينة. وقد أدى هذا التحالف إلى قبول الساسة الأميركيين بالسردية التاريخية الصهيونية، باعتبارها ضرورة تمويلية.
وهكذا، تمامًا مثلما نشأ المواطنون الإسرائيليون على رؤية العالم من خلال سرديتهم الوطنية فقط، قضى معظم السياسيين الأميركيين -خاصة عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط عمومًا وبالفلسطينيين خصوصًا- حيواتهم المهنية وهم غارقون في السردية الصهيونية، التي يشكل تبنّيها أحد الأسس المهمة لنجاح مسيرتهم المهنية.
ويمكن قول الشيء نفسه عن معظم الشخصيات الإعلامية الأميركية السائدة، من مالكي القنوات التلفزيونية والإذاعية إلى الصحفيين العاملين لديهم. بالإضافة إلى المال، يعزى هذا الواقع إلى التأثيرات واسعة النطاق لسردية سائدة، وإلى القبول بها بوصفه سلوكًا يعزز المسيرة المهنية.
منذ العام 1917 و”إعلان بلفور”، “استعمرت” هذه السردية، إن صح التعبير، الذهن الأميركي. وتحقق ذلك من خلال التكرار المستمر لهذه السردية -بواسطة الإعلام إلى حد كبير- حتى أصبحت جزءًا من رؤية البلاد الدولية الخاصة.
ولم يكن سوى الآن فحسب، مع المجازر الجماعية المتلفزة في الوقت الحقيقي بحق الفلسطينيين عبر وسائل الإعلام البديلة، حين بدأت شرعية السردية الصهيونية في الانهيار على المستوى الشعبي.
السردية تتآكل
ما الذي سيحدث -إذا، أو عندما- تتآكل شرعية السردية الإسرائيلية في الوعي الشعبي إلى حد يُرعب السياسيين الذين لطالما اعتبروها أمرًا مسلّمًا به طوال عقود؟ قد تدفعهم التقاليد إلى الاعتقاد بأن ضخ الأموال في حملات الدعاية المضادة سيكفي لحل المشكلة، لكن ذلك قد لا يكون كافيًا في ظل الظروف الحالية الموسومة بطابع إبادي سافر.
لم تعد إسرائيل قادرة على إخفاء عنصريتها الخبيثة المتجذّرة التي جعلتها أحداث غزة واضحة على الملأ. وقد أتاح العرض العلني لجرائم إسرائيل مساحة لقيام بعض الساسة بمراجعة مواقفهم -لكنه أتاح أيضًا نشوء سردية مضادة.
وإذا ما تمكنت سردية جديدة مؤيدة لفلسطين من أن ترسي جذورًا، فما الذي قد تدعو إليه في نهاية المطاف؟ ربما الشيء ذاته الذي طالب به اليهود كتعويض عن الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها: المساءلة، والأمن، والكثير من المال. على الأقل، هذا النموذج هو الأكثر احتمالًا.
في ما يتعلق بالمال والأمن، لا شك في أن إسرائيل، والولايات المتحدة ومعظم العالم الغربي، يدينون للفلسطينيين بتعويض. وهو تعويض يتجاوز إعادة إعمار غزة إلى إنشاء دولة فلسطينية وضمان حدودها ضد أي نزوات إسرائيلية مستقبلية.
أما عن المساءلة، فتأمل التالي:
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: “إن استنتاجاتنا بشأن الاستراتيجية العسكرية الأساسية التي يستخدمها الإسرائيليون منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تقود بشكل حتمي إلى استنتاج أن كل من شارك بأي طريقة في تنفيذ هذه الاستراتيجية هو مشتبه به بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.
ويتابع التقرير إلى تفصيل الذين يُعتبرون مسؤولين عن تلك الجرائم:
• أفراد طواقم الطائرات الحربية التي تلقي القنابل والصواريخ.
• أطقم السفن قبالة الساحل التي تقصف أجزاء من غزة، وتدمّر قوارب الصيد وسبل عيش الصيادين، والشعب الفلسطيني الذي يعتمد على البحر.
• الجنود على الأرض الذين ينفذون استراتيجية تدمير البنية التحتية وقتل الناس بالآلاف.
• أولئك الذين يوجدون بعيدًا عن غزة، لكنهم يقودون -ويتحكمون في- الطائرات المسيّرة التي ترتكب المجازر بحق سكان غزة.
• أولئك الذين يقيمون على الحواجز العسكرية لتطبيق استراتيجية التجويع بحق الفلسطينيين في غزة.
في الحقيقة، ليس هناك ما يمكن أن يُقال أكثر من ذلك -باستثناء أن احتمال دعم الدول الغربية، وخصوصًا الولايات المتحدة، لحل عادل للمشكلة الإبادية الراهنة سيكون، إذا حصل من الأساس، بطيئًا جدًا في القدوم. وربما يتطلب الأمر سنوات حتى تترسخ سردية مؤيدة لفلسطين على المستوى الحكومي، وبحلول ذلك الوقت ربما يكون الفلسطينيون قد ماتوا أو تشتتوا.
أخيرًا، تجدر ملاحظة المفارقة المأساوية في أن دولة تدّعي تمثيل الشعب اليهودي هي التي ارتكبت الإبادة الجماعية الحالية. لقد اعتقد الصهاينة من اليهود بأن الأمان لن يتحقق لهم إلا من خلال امتلاك دولة قومية خاصة بهم -وهو اعتقاد بدا أنه تأكد بالهولوكوست. لكن النتيجة كانت قيام دولة استعمارية قادت الصهاينة إلى تكرار السلوك الإمبريالي لأولئك الذين ساعدوا في جلب يهود أوروبا إلى فلسطين العربية. وها نحن نشاهد، كما تقتضي طبيعة الأمور، فصلًا جديدًا من مأساة استعمارية تاريخية.
*لورنس دافيدسون Lawrence Davidson: أستاذ تاريخ متقاعد من جامعة ويست تشيستر في ولاية بنسلفانيا، الولايات المتحدة. تخصص في التاريخين الأميركي والشرق أوسطي، وركزت أبحاثه وكتاباته على السياسة الخارجية الأميركية، والاستعمار، والعلاقات الغربية مع العالم العربي، بالإضافة إلى تحليل الدور الأيديولوجي والديني في تشكيل السياسات الدولية. عُرف بكتاباته النقدية حول النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة، ودفاعه عن الحقوق الفلسطينية، وله مقالات ودراسات تُنشر بانتظام في مواقع ومنصات فكرية مستقلة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Playing Out a Colonial Tragedy
