عروبة الإخباري –
تشهد الساحة السورية منذ أشهر تصعيدًا متناميًا يعكس تحولات إقليمية ودولية عميقة. ومع تعقّد المشهد العسكري والسياسي، تلوح في الأفق مؤشرات على قرب “تسوية كبرى” قد تعيد رسم ملامح الدولة السورية من جديد، سياسيًا وديموغرافيًا، في ظل ما يُنظر إليه كمحاولات خارجية لإعادة هندسة سوريا وفق مصالح إقليمية ودولية متشابكة.
تصعيد ممنهج أم ضغط تفاوضي؟
التصعيد العسكري في مناطق متفرقة، من الجنوب السوري إلى الشمال الشرقي، لا يبدو عشوائيًا. القصف الإسرائيلي المتكرر، التوتر الأميركي – الروسي في شرق الفرات، وتمدد النفوذ الإيراني في البادية، كلها عناصر تشير إلى أن ما يحدث ليس مجرد تصادم مصالح، بل إعادة تفعيل “أوراق الضغط” على طاولة الحل النهائي.
اللافت أن هذا التصعيد لا يهدف إلى إسقاط النظام أو تمكين المعارضة، بل إلى فرض توازنات جديدة على الأرض، تمهيدًا لتسوية إقليمية أكبر قد تشمل ملفات غير سورية (مثل التطبيع، أو الملف النووي الإيراني، أو حتى أمن شرق المتوسط).
الكيان الإسرائيلي وديناميات التقسيم
تُتهم إسرائيل – أو كما يُشار إليها في بعض الخطاب السياسي بـ”الكيان” – بالسعي لتفكيك سوريا إلى كيانات طائفية وإثنية، بما يضمن تفكيك أي تهديد استراتيجي محتمل في المستقبل. هذا الاتهام ليس جديدًا، لكنه يتجدد مع كل تحرك إسرائيلي يستهدف البنية التحتية العسكرية أو اللوجستية في سوريا، خاصة تلك المرتبطة بإيران أو “حزب الله”.
إضافة إلى ذلك، هناك مخاوف حقيقية من تغييرات ديموغرافية تطال بعض المناطق الحيوية، مثل الجنوب السوري أو البادية، حيث يُنظر إلى محاولات “تهجير البدو” أو تقليص وجودهم كجزء من مشروع أوسع لإفراغ مناطق معينة من مكوّنها السكاني التقليدي.
هل تلوح تسوية كبرى في الأفق؟
تاريخ الصراع السوري يُظهر أن كل مرحلة تصعيد أعقبها مسار تفاوضي، بدءًا من “جنيف” و”أستانا”، وصولاً إلى محادثات “اللجنة الدستورية”. اليوم، ومع انسداد الأفق السياسي الداخلي، يبدو أن هناك إرادة خارجية لفرض تسوية تتجاوز النظام والمعارضة معًا، وترتكز على تقاسم النفوذ بين الفاعلين الدوليين والإقليميين.
لكن هذه التسوية – إن حدثت – لن تكون شاملة إلا إذا:
ضُمنت مصالح تركيا في الشمال.
حُسمت الملفات الإيرانية في الجنوب.
وُضعت ترتيبات أمنية ترضي إسرائيل في محيطها.
ووافقت واشنطن وموسكو على آلية “حكم انتقالي” أو صيغة سياسية جديدة تحفظ ماء وجه جميع الأطراف.
خاتمة: سوريا ليست جزيرة معزولة
ما يجري في سوريا ليس حدثًا محليًا معزولًا، بل جزء من معادلة إقليمية يعاد تشكيلها من جديد. والرهان على استقرار دائم دون عدالة حقيقية أو وحدة وطنية، هو رهان هش. وكل مشروع تقسيمي أو ديموغرافي – أياً كانت الجهة التي تقف خلفه – لن ينجح دون أن يُقابل بمقاومة شعبية ووعي سياسي وطني.
ورغم ضبابية المشهد، فإن الحقيقة الثابتة هي أن كل تصعيد يفتح بابًا لتسوية، والتاريخ يعلمنا أن خارطة ما بعد الحرب لا يرسمها الأقوى فقط، بل الأكثر صبرًا وذكاءً واستعدادًا للمستقبل.
والله أعلم
سوريا بين التصعيد والتسوية الكبرى: مشهد يتكرر بأدوات جديدة* الدكتور محمد أبو هديب
16
المقالة السابقة
