عروبة الإخباري –
في زمن يضجّ فيه المشهد العربي بالصخب، والتسطيح، والانفعال، برز مقال الوزير اللبناني الأسبق غازي العريضي، بعنوان “وقائع السويداء وموقف جنبلاط” كصوت مختلف، عقلاني، ورصين. مقال يمكن وصفه دون مبالغة بأنه قراءة استراتيجية معمّقة، وتحليل سياسي نادر، واستبصار استثنائي لجوهر التحولات في سوريا والمنطقة.
الوزير العريضي، المعروف بثقافته الموسوعية وخبرته المديدة في قلب الأحداث، لا يكتفي بالتوصيف، بل يمضي إلى تفكيك مشروع الاحتلال الإسرائيلي بأدوات تحليل دقيقة، تربط بين الميدان السوري ودوائر القرار الإسرائيلي، وبين خطاب “الحماية” المزعوم ومخططات “الهيمنة” المضمرة.
اللافت في مقاله ليس فقط استعراض التصريحات الإسرائيلية المتطرفة، بل قدرته المذهلة على ربط هذه الوقائع بأبعادها الجيوسياسية الأعمق: من استخدام الدم السوري كورقة ضغط داخلية في إسرائيل، إلى الرغبة الصهيونية الدفينة في استنساخ “جنوب لبنان آخر” في السويداء، وصولاً إلى المقايضة المكشوفة بين التهويل الأمني والابتزاز السياسي.
ووسط هذا المشهد المعقد، يبرز موقف وليد جنبلاط، “الحكيم” بحق، كما وصفه العريضي بدلالات عميقة، كعنوان للثبات، والرصانة، والبصيرة الوطنية.
فموقف وليد جنبلاط ليس جديداً، ولا موسميًا، بل هو امتداد طبيعي لفكر كمال جنبلاط الذي رفض دويلة درزية، ورفع لواء الانتماء العربي الوحدوي. الحكيم، في أشدّ لحظات التأزم، يعود إلى قواعد الوعي: رفض الانجرار وراء دعوات الفتنة، رفض محاولات العزل، ورفض أي خطاب يُخرج جبل العرب عن سياقه الوطني السوري الجامع.
لقد كان حاضراً بندائه لأبناء السويداء منذ عام 2011، مناديًا بالتضامن مع البدو والسنة وكل مكونات المجتمع، ومُحذّرًا من مشاريع الفتن والدويلات والاحتراب الأهلي.
إن ما فعله جنبلاط، كما وصفه العريضي، لم يكن تدخلًا، بل نداءً أخويًا مسؤولًا، ينبع من موقعه كزعيم وطني، لا طائفي، يقرأ المخاطر بدقة، ويستبق الانفجار بحكمة العقلاء.
وعندما دعا إلى وقف النار، وفك الحصار، ولجنة تحقيق، ومصالحة، لم يكن يحاول تسجيل موقف سياسي، بل كان يتحرك انطلاقًا من مسؤولية تاريخية لحماية الإنسان والعيش المشترك، وحفظ ما تبقى من تماسك في سوريا ولبنان.
وما يحسب للمقال أكثر، هو إبرازه لبُعد أخلاقي في موقف وليد جنبلاط، حين قال “لا لإسرائيل، لا للتضحية بالدروز، نعم لسوريا”. عبارة تختصر كل الرؤية الاستراتيجية لرجل ظلّ، رغم كل الجراح، متمسكًا بالبوصلة، وبالكرامة السياسية، وبالتحالفات الكبرى التي تحمي المصير، لا المصلحة الآنية.
غازي العريضي لم يكتب مقالًا فحسب، بل قدّم وثيقة وطنية وسياسية عالية القيمة، تؤكد أن في هذا الشرق رجالاً لم تفسدهم الحسابات الضيقة، ولا طمست أعينهم الغرائز الطائفية، بل ظلّوا على العهد، مؤمنين أن حماية الكيانات لا تكون بالتقسيم، ولا بالارتهان، بل بوحدة الموقف، وشجاعة العقل، ورجاحة البصيرة.
في الختام، ليس مبالغة القول إن ما كتبه العريضي يمثّل واجب اللحظة العربية: أن نُصغي لأصوات الحكماء، لا لهتافات الفوضى، وأن نعود إلى لغة العقلاء قبل أن تبتلعنا نيران المشاريع الدولية والإقليمية.
لقد ذكّرنا العريضي أن وليد جنبلاط ليس فقط زعيم طائفة، بل “ضامن هوية”، وحارس توازن، وصوت عقلٍ في برية الجنون.
