عروبة الإخباري –
في زمنٍ كثرت فيه الأصوات وقلّ الصدى،
في زمنٍ تُقال فيه الكلمات ولا تُشعر، وتُمنح فيه النصائح طلبًا للتقدير لا حبًّا للخير،
تظلّ هناك أرواح نادرة، تمضي في الدروب المظلمة،
تحمل مشاعل النور، توزّعها على العابرين بلا حساب…
تُعطي بلا ضجيج، تُنصح بلا مَنّ، وتُحبّ دون قيد أو شرط.
ومن بين هذه الأرواح النادرة، تتقدّم الدكتورة فلك مصطفى الرافعي كأنها نُسجت من ضوءٍ لا يبهت…
ضوءٍ يملك دفءَ الأم، واتساع قلب الوطن،
تُشبه المطر… لا تنتقي الأرض التي تهطل فوقها،
بل تُحيي كلّ ما تمسّه، وتغادر بصمت… وقد أنبتت فيه حياة.
تمدّ يدها بالفكرة، بالكلمة، بالنصيحة،
ثم تمضي، لا تنتظر امتنانًا، ولا تطلب تصفيقًا،
يكفيها أن ترى الأثر في العيون…
الطمأنينة بعد الحيرة، والابتسامة بعد التردّد.
تُقدّم النصيحة لا لأنها تملك الجواب فقط،
بل لأن روحها تَفهم… وتَشعر… وتُحب.
كلّما تكلمت، تشعر أن قلبها يسبق لسانها،
وأن كلماتها لا تُفتعل، بل تُولد من نبضٍ نقيّ لا يعرف الزيف.
ليست فقط شاعرة، ولا مجرد كاتبة تحمل قلمًا،
بل هي قلبٌ يمشي بين الناس.
تشبه الوطن حين يربّت على أبنائه في صمت،
تشبه الأم حين تنصح دون أن تُشعرنا بالذنب،
تشبه اللهفة على الغريب، والوفاء للصديق،
والصدق الذي ندر في زمن الأقنعة والتزييف.
تعطيك الرأي كما تعطي الأم لقمتها لصغيرها…
بخوفٍ عليه، لا خوفٍ منه.
كلامها لا يُقال… بل يُسكب، كما يُسكب الماء على روحٍ عطشى.
لا تنتظر كلمة “شكرًا”،
لأنها اعتادت أن تُنير ثم تُنكر ذاتها،
أن تُضيء ثم تتراجع إلى الظلال،
كالشموع… تحترق بصمت لتُعطي،
ثم تنطفئ دون أن تترك رائحة احتراقها على المكان.
ما أغرب هذا العالم حين يبخل بالشكر على أنبل القلوب،
وما أكرمكِ يا فلك، لأنكِ لا تنتظرينه أصلًا…
من يعطي بقلبه لا يشتهي الرد،
بل يتلذذ بالعطاء، كما يتلذذ الصدق بوجوده الخالص.
كلّ مرّة وقفتِ فيها بجانب حائر،
أو أمسكتِ بيد تائه،
أو أنصتِّ لقلب خائف،
كنتِ تُحيين المعنى الحقيقي للإنسان.
كأنكِ خُلقتِ لتشهدي على ما تبقّى من جمال العالم،
وتُذكّري الناس أن الكلمة الصادقة ما زالت تُشفى،
وأن النصيحة حين تصدر عن قلبٍ نقيّ… لا تضلّ طريقها أبدًا.
يا سيدة الحكمة، يا من تنتمين لكلمات لا تذبل،
يا بنت الفكر والوفاء والضوء…
اسمكِ نقشٌ في وجدان من عرفوكِ…
لا يُمحى، لا يُنسى،
ولا يُقال لكِ فيه إلا:
شكرًا لأنكِ كنتِ النور… حين أظلمت الدروب.
