Table of Contents
في مشهد يبعث على الأمل وسط التحديات التي تواجه الإعلام اللبناني، وقّع وزير الإعلام في الحكومة اللبنانية، بول مرقص ورئيسة مجلس إدارة مجموعة “النهار” الإعلامية نايلة تويني، مذكرة تعاون في “نيوز كافيه النهار”، الفضاء الإعلامي الثقافي الجديد الذي افتُتح مؤخرًا في قلب العاصمة بيروت ليكون منبرًا حيًّا للتفاعل والحوار والانفتاح.
بموجب هذه المذكرة، سيتزوّد “تلفزيون لبنان”، القناة الوطنية الرسمية، بمحتوى بصري غني ومنوّع من إنتاج “النهار”، يتوزع على مدار الساعة ليواكب تطورات الشأنين اللبناني والعربي، كما يتضمن الاتفاق بنودًا للتعاون في مشاريع أرشيفية مستقبلية، في ما يشبه عملية استرداد لذاكرة لبنان الإعلامية وتجديد لحضورها في وعي الأجيال الجديدة.
ففي هذه الخطوة ليست مجرد تعاون تقني أو تبادل للمحتوى، بل هي لقاء بين مؤسستين تشكّلان جزءًا أصيلاً من الوجدان اللبناني الجماعي، وركيزتين من ركائز الهوية الإعلامية والثقافية الوطنية.
النهار: منبر الحرية والفكر
منذ تأسيسها في العام 1933 على يد الصحافي الرائد جبران تويني، كانت “النهار” أكثر من مجرد صحيفة. لقد شكّلت منبرًا للحرية، وصوتًا للعقل، ومرآةً صادقةً للواقع اللبناني بتعقيداته وتناقضاته. عبر صفحاتها، عبرت نخبة الفكر والسياسة والثقافة عن آرائها، وحملت النهار على عاتقها مهمة الدفاع عن السيادة والحرية وحقوق الإنسان. لم تنحنِ أمام العواصف، ولا انكسرت أمام التهديدات، بل دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن مبادئها، من اغتيال نقيبها جبران تويني إلى المواجهة اليومية مع الصعوبات الاقتصادية والسياسية.
“النهار” لم تكن صحيفة ورقية فقط، بل مختبرًا دائمًا لتطوّر الإعلام اللبناني، ومرجعًا موثوقًا في التحليل، والبحث، وصناعة الرأي العام. واليوم، تستكمل المؤسسة هذا الدور من خلال التحوّل الرقمي وإنتاج المحتوى المرئي، مساهمةً في إعادة ابتكار الصحافة من قلب الأزمة.
تلفزيون لبنان: ذاكرة الوطن المصورة
أما “تلفزيون لبنان”، الذي انطلق رسميًا في 7 أيار 1959، فهو يحمل في أرشيفه صورة لبنان في لحظاته الكبرى: من الاستقلال إلى الحرب، ومن الأفراح الشعبية إلى المآسي الوطنية. كأول محطة تلفزيونية في العالم العربي، شكّل التلفزيون اللبناني نموذجًا رياديًا للمنطقة، وقدّم عبر شاشته أولى التجارب في الدراما، والموسيقى، والبرامج الثقافية، مما ساهم في تأسيس ذائقة جماهيرية لبنانية وعربية.
ورغم ما مرّ به من عقبات إدارية ومالية، بقي “تلفزيون لبنان” رمزًا للدولة الحاضنة لكل أبنائها، المنفتح على تنوع المجتمع، والصامد في وجه التهميش والإهمال. واليوم، يأتي هذا التعاون ليعيد إليه بعضًا من بريقه، ويضعه مجددًا على طريق التجدد والتفاعل مع متطلبات العصر.
نحو إعلام وطني موحَّد الرؤية
في توقيت حسّاس تمرّ فيه البلاد بأزمات متشابكة، يبدو هذا التعاون بمثابة بوصلة تشير إلى أن الإعلام الوطني لا يزال حيًّا، وقادرًا على ترميم جسور الثقة بين الدولة ومواطنيها. فحين تتكاتف المؤسسات الإعلامية العريقة، يصبح للإعلام دور أكبر من مجرد نقل الخبر؛ يصبح حارسًا للذاكرة، وصانعًا للرأي، وجسرًا بين الأجيال.
هكذا، لا يكتفي الاتفاق بين وزارة الإعلام و”النهار” بمدّ تلفزيون لبنان بمحتوى إعلامي نوعي، بل يرسّخ فكرة أن الشراكة بين القطاع العام والإعلام المستقل ضرورية لإنقاذ صورة لبنان، واستعادة الثقة بمؤسساته، وإعادة الاعتبار للرسالة الإعلامية كخدمة عامة، لا كأداة تجارية أو سياسية.
إنه تحالف الأمل في زمن الشك، وتلاقي العراقة والتجدد في قلب العاصمة التي لطالما كانت منبرًا للأفكار الحرة.
