عروبة الإخباري –
من الواضح أن توم براك لم يأتِ إلى بيروت موفدًا دبلوماسيًا، بل أقرب إلى مبشّر استعماري بلغة القرن الحادي والعشرين، فتصريحاته الأخيرة لا تنمّ عن حرصٍ على استقرار لبنان، بل عن جهلٍ فاضح بتاريخ المنطقة، وتعالٍ مقيت على مفهوم السيادة الوطنية، فحين يتحدث براك عن “عودة لبنان إلى بلاد الشام”، فإننا لا نسمع تحذيرًا، بل تهديدًا مقنّعًا، ورسالة فاضحة مفادها: إما أن تُسلِّموا مفاتيح القرار الوطني، أو سنُعيد رسم حدودكم وتاريخكم على مقاس مصالحنا.
أي موفد هذا الذي يتحدث عن بلد مستقل كأنّه ورقة يتيمة على طاولة “جغرافيا النفوذ”؟ وأي استخفاف هذا بعقول اللبنانيين الذين دفعوا ثمن التدخلات الأجنبية مرارًا؟! براك لم يخطئ بالتعبير، بل أفصح عن حقيقة النظرة الأميركية إلى لبنان: دولة هشّة يمكن إخضاعها بالابتزاز السياسي وتفكيكها بالتخويف من “الفراغ”، أو “الفوضى”، أو “القبضة الإقليمية”.
أما حديثه عن “خطر سلاح حزب الله”، فهو تكرار ممل لأسطوانة مشروخة، تُستخدم كفزّاعة كلما قررت واشنطن الضغط على لبنان أو منعه من الخروج عن طوعها. وكأن حزب الله سقط فجأة من السماء، أو كأن واشنطن لم تكن شريكًا أساسيًا في خلق البيئة التي جعلت هذا السلاح ضرورة دفاعية في نظر شريحة كبيرة من اللبنانيين. فهل يتوقع براك أن يسلّم لبنان أمنه للوعود الأميركية التي تخلّت عن أصدقائها في أكثر من ملف، ثم يتحدث عن “الضمانات”؟!
المثير للسخرية أن براك يحذر اللبنانيين من الوقوع في قبضة القوى الإقليمية، بينما هو نفسه يمثّل واحدة من أكثر القوى الخارجية تغلغلًا وتأثيرًا في القرار اللبناني منذ عقود. بعبارة أخرى: واشنطن لا تريد نفوذًا إقليميًا غير نفوذها، ولا وصاية على لبنان إلا وصايتها.
تصريحات براك ليست سقطة لغوية، بل سقطة سياسية وأخلاقية، تُعبّر عن منطق الوصاية المقنّعة الذي لم تتخلّ عنه الإدارات الأميركية، مهما ادّعت دعم “الاستقلال” و”الديمقراطية”. وهي تفتح الباب على مرحلة جديدة من الضغوط، تسعى لفرض خيارات قسرية على اللبنانيين عبر التهديد المبطّن بانهيار الدولة إذا لم يُسلِّموا سلاحهم، سيادتهم، وقرارهم الوطني.
ختامًا، لبنان ليس “ملحقًا جغرافيًا” كما تلمّح تصريحات براك، وليس كيانًا تحت الاختبار أو قيد الإعداد، هو وطن، بكل تعقيداته وتناقضاته، لكنه سيبقى عصيًّا على محاولات إعادة تطويعه. ومن يتوهّم أن زمن الوصاية لا يزال ممكنًا، فليقرأ تاريخ هذا البلد جيدًا، وليفهم أن الكرامة الوطنية ليست موضوعًا للتفاوض.
