أجادٌّ أنت فيما تقول؟ يعني «بْتِمزَح»؟! تساؤل يسارع إلى طرحه من استخفّ بالرد أو استهجنه، أو استعصى الحل لدرجة الاعتقاد بعدم جدية المتحدث فيما يقول.
نأخذ مثالين من حياتنا اليومية. تخيل لو ذهب أحدنا مقترضا من بنك، فهبّت النخوة بالموظف وقال: اقتراضك ليس بالحسن، فالأحسن أن تكف عن هدر ما بين يديك من مال وموجودات أخرى، وعليك أولا بسيجارتك هذه التي بين السبّابة والوسطى! أتراه يمزح؟
«تخيّل» كما في دعايات إحدى شركات الخلوي في أردننا الحبيب، بأداء النجم المحبوب «سمعة» موسى حجازين رفيق درب الراحل «مرزوق» حسن إبراهيم في رائعة الغائب الحاضر «أبو العود» نبيل عوّاد -حارة أبو عواد- تخيّل لو أن موظفا نشميا في شركات خلويات أو سيارات -بأنواعها بنزين، وهجين، وكهربائي- أقنع ثلة من المستهلكين الواعين بالحد من قروض الأسر لشراء السيارات الجديدة والمستعملة، والفرد للخلويات المحدثة سنويا، بكل اكسسواراتها وبعضها بخطين!! أتراهم يمزحون؟ أهم عاملون فاشلون لم يخدموا رب العمل بأمانة، عند خسارتهم زبائن لديهم قابلية عالية للشراء بلا تردد بأعلى الأسعار، ما دام الدفع آجلا وبالتقسيط الممل الذي يتضح لاحقا، بأنه مثير ومثير جدا مع تراكم الفوائد أو «المرابحات»!
أيام زمان أيام قبل استئناف الديموقراطية البرلمانية، لم تكن «الإن جي أوز» -منظمات المجتمع المدني- ولا جماعات الضغط رائجة، لا أردنيا ولا شرق أوسطيا، حتى أوروبا لم تكن قد ابتليت بعد بمليارات «جورج سورس»! لكن من أحسن جمعياتنا الوطنية الأهلية قبل حلول الألفية الثالثة، كانت جمعية حماية المستهلك الأردني، عساها بخير؟
ليسامحني إخوتي الكرام في الجمعية، فذلك نداء لا يخصهم وحدهم، وإنما هم في منزلة القدوة الحسنة على ما لا يمكن للقطاع العام ولا الخاص القيام به. ثمة منزلة أسمى هي ذلك القطاع العمومي التطوعي، أو على نحو أدق تلك المبادرة الأهلية الحقة، العفوية في الابتكار والتطوير الدائم، وفق التغيرات والتغييرات المجتمعية.
مثال ارتدادي لتلك السيجارة، سيجارة عميل البنك. لو آزره مبادر عامل أو متقاعد من القطاع الصحي وشرح -عبر سيل الفضاء الأزرق- شرح وبالأدلة والبراهين للمقترض المدخن المستهلك المواطن آليات التكيّف مع ملح الحياة اليومية من مشاكل أو تحديات، لتضافرت الجهود، وقدمت خدمة غير مباشرة لصانع القرار في البرلمان أو الحكومة لرفع رسوم السجائر والأهم تكييف الردود المثلى على كل ما يتصل بأوهام «المكيفات» وتلك السموم المسماة المخدرات.
تلك مسألة -الرسوم والضرائب وغيرها من أدوات تغيير السلوك الاستهلاكي- لها معاييرها وضوابطها وحساباتها التي لا تقتصر على أولوية صحة الإنسان مواطنا أو مقيما أو سائحا، بل تراعي قطاعات أخرى منها الاستيراد والتصدير، والاستثمار والسياحة. هذا القطاع الأخير هو المنجم والنبع، هو نفطنا وغازنا إلى جانب قطاعات صاعدة معنية بصناعة المعلومة والمحتوى وسائر أدوات القوى الناعمة والاقتصاد الناعم، نعومة الحرير القوي القطعي كحد نصل ماسيّ..
البرامج الحوارية والأغاني المرافقة لها خاصة الصباحية والمسائية -سيما المتأخرة ليلا- لها فعلها وسحرها الأخّاذ في صياغة المزاج العام وهو أقوى وأبقى من الرأي العام. المزاج بمعنى المعنوية التي يهتف بها الجند -نشامى الوطن، شماغه وعقاله، درعه وسيفه- قبل طالع كل شمس في الميدان: عاااالية..
المتاح في الحلول أكثر من المتاح في الخوض في متلازمة التذمر والتندر والتنمر. بحكي جد! المتاح بلا مزاح وإن خالطه المزاح أحيانا جدير بأن نحمله على محمل الجد. للأسف، المشكلة أحيانا فيمن يحسب نفسه مالك المشكلة والحل معا، فتصير نفسه تلك النفس، اللوّامة!
اللهم نفسا مطمئنة لا سبيل لها إلا السكينة. اللهم محبة وحكمة وقوة. بدون مزاح وبمنتهى الجدية والقطعية، لا حل بلا محبة، ولا محبة صادقة فعّالة، ما لم تبدأ بالتصالح مع الذات، بعيدا عن السجائر والقروض. تخيّل!
