عروبة الإخباري –
في خضمّ تصاعد التوتر الأمني في جنوب لبنان، وفي ظل انهماك الحكومة اللبنانية في محاولة احتواء الأزمة الاقتصادية والسياسية، برزت خلال الأيام الماضية تطور لافت على خط العلاقة اللبنانية – الأميركية، تمثّل في زيارة المبعوث الأميركي توم برّاك إلى بيروت، وما تبعها من تسريبات عن “رضى أميركي كبير” تجاه الرد اللبناني الأولي على ورقة واشنطن، التي تتضمن طلباً واضحاً بالتزام رسمي من الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله».
دلالات الموقف الأميركي: تقدير أولي وانتظار التفاصيل
الموقف الأميركي، وإن بدا مرحّباً بالرد اللبناني، لم يخلُ من التحذير الضمني، فبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، فإن “الرضى لا يعني الاكتفاء”، بل يشير إلى أن “الوقت قد حان للدخول في التفاصيل”، ما يعكس رغبة واشنطن بتحقيق تقدم ملموس يتجاوز التصريحات العامة إلى آليات تنفيذية تفرض واقعاً جديداً في معادلة السلاح غير الشرعي في لبنان.
ويمكن قراءة هذا التطور في سياق أوسع من الضغوط الأميركية – الغربية على الدولة اللبنانية، التي بات يُطلب منها اليوم ليس فقط إصلاحات اقتصادية عاجلة، بل خطوات جريئة تمس مباشرة التوازنات السياسية والعسكرية الهشة في البلاد.
الجنوب على صفيح ساخن… ومهمة “اليونيفيل” في مهب التوترات
في المقابل، كان الجنوب اللبناني يعيش لحظات متوترة ميدانياً، مع تكرار الاعتداءات على دوريات قوات «اليونيفيل»، وآخرها في بلدة عيتيت، حين تعرّضت إحدى الدوريات إلى اعتراض من قبل شبان مدنيين ورشق بالحجارة، ما دفع عناصر القوة إلى استخدام قنابل دخانية لتفريقهم. ويُلاحظ أن هذا النوع من “الاحتكاك الشعبي” تكرر مراراً في الأشهر الماضية، غالباً بذريعة عدم مرافقة الجيش اللبناني للدوريات، رغم تأكيد قيادة «اليونيفيل» أن كل التحركات تتم بتنسيق كامل مع الجيش.
اللافت أن هذه الحوادث تعيد إلى الأذهان مناخات ما قبل حرب 2006، حين كانت تحركات «اليونيفيل» تُواجه باعتراضات ممنهجة، تُنسب غالباً إلى بيئة «حزب الله». واليوم، تعود هذه الأجواء، ولكن في ظرف إقليمي مختلف، وفي ظل وضع داخلي لبناني هشّ للغاية.
إسرائيل تكثف غاراتها… و”حزب الله” في قلب الاستهداف السياسي والعسكري
لا ينفصل التصعيد الميداني عن الضغوط السياسية. فقد نفّذت إسرائيل سلسلة من الغارات على أهداف في جنوب لبنان، بينها استهداف مباشر لمقرات يشتبه باستخدامها من قبل «حزب الله»، بزعم أنها “بنى تحتية إرهابية” تعمل تحت غطاء مدني. إسرائيل تقول إنها تتخذ إجراءات لتقليل الخسائر بين المدنيين، لكنها في الوقت ذاته تواصل تكرار ما تعتبره رسائل “ردع موجّهة” للحزب وللدولة اللبنانية.
ومع أن «حزب الله» لا يعلن عن خسائره ولا يرد بشكل مباشر على كل استهداف، إلا أن التصعيد الإسرائيلي – كما يظهر من وتيرته ونوعيته – يدخل ضمن استراتيجية استنزاف متدرجة، هدفها إضعاف تموضع الحزب ميدانياً، ودفع الدولة اللبنانية لتحمّل مسؤولياتها تحت ضغط المجتمع الدولي.
بين واشنطن والناقورة: الدولة اللبنانية في اختبار مزدوج
ما بين مساعي واشنطن لدفع لبنان نحو مواجهة سياسية وأمنية مع «حزب الله»، وبين توتر الجنوب المتصاعد الذي يحرج دور «اليونيفيل» ويهدد القرار 1701، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام اختبار مزدوج: كيف تلبي المطالب الدولية، وخصوصاً الأميركية، من دون الانزلاق إلى صدام داخلي؟ وكيف تضمن أمن الجنوب دون أن تظهر بمظهر العاجز أو المتواطئ؟
في هذا السياق، بدأت تظهر إشارات على تحرك أمني أكثر حزماً، إذ تؤكد مصادر رسمية وجود توجه واضح لدى السلطات لتوقيف المعتدين على «اليونيفيل»، وتكثيف التنسيق مع قيادة القوة الدولية في الناقورة. هذه الخطوات وإن كانت متأخرة، إلا أنها قد تشكّل مؤشراً إلى رغبة الدولة في استعادة بعض من هيبتها المفقودة.
خلاصة: نحو مرحلة مفصلية؟
المشهد الحالي يُنذر بأن لبنان يقف على عتبة مرحلة مفصلية. فالضغط الأميركي المتصاعد بشأن سلاح «حزب الله» لا يبدو ظرفياً، بل جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع، تتقاطع مع أهداف إسرائيل الأمنية والعسكرية. في المقابل، فإن استمرار الاعتداءات على قوات «اليونيفيل»، والغارات الإسرائيلية شبه اليومية، تضع الجنوب على فوهة انفجار.
يبقى السؤال: هل لدى الدولة اللبنانية القدرة والإرادة للقيام بتسويات حقيقية ترضي المجتمع الدولي وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار الداخلي؟ أم أن الجمود السياسي والتوازنات الطائفية المعقدة سيحولان دون أي تحول فعلي، تاركين البلاد أمام مزيد من الضغوط والانهيارات المحتملة؟
