عروبة الإخباري –
في صمت المسافات ودفء الذاكرة، تمشي الكاتبة والأديبة، حنان جميل حنّا على حافة الضوء، تحمل الوطن في قلبها كطفلٍ لم يكبر، وتزرع الحنين في كلماتها كما تُزرع الزنابق في حدائق الطفولة. ليست مجرد كاتبة، بل امرأة تنسج الحرف من ألم الغياب، وتلونه بألوان الطمأنينة التي تحن إليها روحها، في منفى اختارته كطريق نجاة لا كهروب.
فحين تكتب الكاتبة والأديبة، حنان جميل حنّا، لا تكتب كلماتٍ فحسب؛ بل تُنزِل على الورق شيئًا من روحها، من وجدانها الممتد بين جذور النخل العراقي وأجنحة الطيور المهاجرة فوق سماء المغترب. هي ليست كاتبة عابرة، بل ذاكرة متقدة، امرأة تشبه الوطن في اتساعه، والأم في حنانها، والحبر في صدقه.
ولدت في العراق، لكن روحها كانت أكبر من الجغرافيا، فقد خُلقت لتكون نافذةً تُطل منها الكلمة على معنى أعمق، وجسرًا يمتد من الذاكرة إلى الأمل، من الوجع إلى السلام الداخلي، وفي كتاباتها، لا فرق بين بيتٍ شعري ولوحة، بين قصة قصيرة ونبض إنساني. كل ما تلمسه يتحول إلى رسالة، إلى نبض، إلى حياة.
حنان، هي جميلة من اسمها، وجمالها ليس في سطورها فحسب، بل في طريقة نُطقها للكلمة، في سكون نظراتها حين تُحدّثك عن وطنها، عن أمها، عن أيامها الأولى في بغداد حين كانت الكلمات لا تزال صغيرة لكنها كانت تعرف أنها ستكبر لتصبح جناحيها في الغربة.
في كل نص لها، تجد الوطن أنثى… أنثى تعبق برائحة الأرض، وتبكي حين لا يذكرها أحد. الوطن عند حنان ليس حدودًا، بل حنينًا متجسدًا. هو أم تغني لأطفالها من بعيد. هو دجلة، هو نخلة، هو شباك صغير يُطلّ على بيت الطفولة الذي لا يزال حيًّا في الذاكرة.
أما الغربة، فقد جعلت منها مرآة، لم تضعفها ولم تكسرها، بل صقلتها، فصارت تُبدع من حنينها، وتزرع من ألمها زهورًا تُضيء طريق القارئ أينما كان. تسكن الآن في ولاية أريزونا، لكنها لا تزال تقيم فينا، في داخل كل من عرف معنى الاغتراب، وكل من سكنته البلاد ولم يسكنها المكان.
حنان ليست فقط كاتبة، بل فنانة تشكيلية تكتب بالفرشاة كما تكتب بالقلم. ترسم الزهرات كما ترسم الجُمل، تنثر الألوان كما تنثر الحنين، وتعانق المساحات البيضاء كما تعانق الفراغات في القلب. كل لوحة لها تُشبه نصًّا، وكل نصٍّ يشبه حلمًا، وكل حلم يُشبه امرأة لا تكلّ من الحب.
حنان جميل حنّا ليست كاتبة تكتب لتُعجب، بل تكتب لتُلامس، لتُرَبّت على قلبك، لتهمس لك أنك لست وحدك، وأن للألم جمالًا، وللحنين نغمة، وللغربة دفء… حين نكتبها.
ما من شيء عادي في حنان. حتى صمتها يحمل رسالة. حتى بكاؤها يحتفظ بجمال خاص، حتى انتظارها يحمل دهشة. فمن يعرفها، يعرف أن الكلمة يمكن أن تكون بيتًا، وأن القصيدة يمكن أن تكون حضنًا، وأن القلم يمكن أن يُعيد للغائبين ملامحهم.
هي روح مشرّعة على الشعر، وقلبٌ خُلق ليكتب، وعين ترى الجمال في كل ما هو إنساني، و في زمنٍ يُقلّ فيه الأدب، تظهر حنان كنورٍ خافت لكنه صادق، كنغمة بيضاء في سيمفونية ضائعة.
هي التي جعلت من وجعها أغنية، ومن وطنها قصيدة، ومن حضورها شهادة حبٍّ مستمر لكل ما هو جميل وعميق وإنساني.
في حضرة حنان جميل حنّا، نقف لا لنُصفق فقط، بل لننحني احترامًا لقامةٍ أدبية وإنسانية تكتب لتمنح، وتمنح لتشفي، وتشفي لتبقى… حنانًا خالدًا في الذاكرة، وجمالًا نقيًّا في الزمن.
