لم يكن اختراع الإنترنت مشكلة الكارثة وقعت حين قررنا أن نمنح (الكل) مكبر صوت، ثم انسحبنا نحن، الذين كان يفترض بنا أن نضبط الإيقاع. لم يعد الحديث في المقاهي بين السكارى والحمقى ينتهي بانتهاء كأس النبيذ، بل صار يُعاد تدويره في آلاف التغريدات، ويُقتبس في برامج الـ (بودكاست) ، ويُقطع ويُعاد منتجته على (ريلز) وإنستغرام، حتى يصبح رأياً عاماً، أو أسوأ من ذلك يصبح مؤثراً !
كان المجنون في القرية قديماً يتحدث إلى الأشجار، والناس تمرّ بجانبه بلا اكتراث اليوم، نُبقي صوته مفتوحاً طوال الليل عبر حسابه الأزرق، ونصفق له لأنه (صادق)..!
أي عبث هذا؟
أي منحنى تاريخي سقنا أنفسنا إليه باختيارنا، لنتحول من شعوب تصغي للحكماء، إلى جماهير تهرول خلف ضحكة مراهقة جميلة أو جسد مفتول لا يقول شيئاً سوى: (تابعوني) و (تكبيس) ؟
أنا لا أتهم المنصات، بل أضعها في قفص الشاهد المتواطئ.
هي لم تخلق التافهين، لكنها نصّبتهم على عروش من خيال، جعلت من الغباء بطولة، ومن التفاهة عملة تداول، ومن التهريج هوية. صار يمكن لأي جميلة بلهاء، أو وسيم فارغ، أن يُحشد له جيش من المتابعين فقط لأنه (يعرف كيف يبتسم أمام الكاميرا) وهنا تبدأ اللعبة لعبة الترميز.
الترميز تلك الجريمة الناعمة التي تُمارس ببطء شديد، لكنها مميتة. أن ترمّز التافه، يعني أن تجعله مرجعاً ، أن تمنحه شرعية الوجود فوق المنصات، فيتسرب إلى عقول الجيل كأنه المعيار، النموذج، الصوت الذي يُحتذى.
وهذا ما حصل فقدنا رموز القيمة، وصدّرنا رموز الصورة. منذ متى كان (الفراغ) مادة للبث المباشر؟
منذ متى كان من الطبيعي أن يتحدث الجاهل على منصة مفتوحة، ثم يُساوى صوته بصوت الباحث، والفيلسوف، والعالم؟ هنا ليس فقط غزو البُلهاء، بل مساواة المخرّب بالباني، والكأس الفارغ بمن يملؤه علماًوحكمة.
يقال إن حرية التعبير هي أعظم ما أنتجته الحداثة لكني أضيف: حرية التعبير دون مسؤولية، هي قنابل دخان تُغرق الوعي وتُعمي العقول.
وما نراه اليوم هو النتيجة: منصات تعجّ بمن لم يكن يُسمع له صوت في زمن الورق، صار الآن من يحدّد (الترند).
الفضيحة ليست في وجود هذه الجموع من الحمقى، بل في صمت من كان يجب أن يوازن الكفة. أين المفكرون؟ أين المبدعون؟ أين حملة الرسائل العميقة؟
غالبهم انسحب سئم أو، وهذا الأخطر: انجرّ إلى تقليد الحمقى لكسب بعض الضوء.
فصرنا أمام مشهد سريالي: عقولٌ عظيمة تتصاغر، كي تحظى ببعض الاهتمام، بينما عقول صغيرة تتضخم لأنها تعرف كيف تروّج لنفسها.
في زمني القديم، كانت القيمة تصنع الشهرة اما في هذا الزمن، الشهرة تصنع (وهم القيمة) إنها مهزلة معكوسة اختلال في المعادلة، وانقلاب على النواميس.
هل أبدو متشائماً؟ بل أنا غاضب. غاضب من فكرة أن جيلاً كاملاً ينشأ اليوم على أصوات (الضحك) لا على أصوات الوعي. غاضب من أن ابني، أو ابنك، حين يفتح هاتفه صباحاً، يرى تافهاً يتحدث عن اللاشيء فيظنه كل شيء.
يا أيها التقدّم التقني، لقد أسأت التوقيت أعطيت أدواتك لكل أحد، قبل أن تضمن أنهم يعرفون كيف يستخدمونها.
كمن يسلّم طفلاً سكيناً حاداً، ثم يتفاجأ بالدماء.
لم تعد القيمة في المعلومة، بل في عدد المشاهدات.
لم تعد القوة في الحقيقة، بل في (الصوت العالي) ولم نعد نبحث عن المعنى، بل عن (الترند)
لكن ما أخشاه أكثر من كل ذلك، هو أن نعتاد هذا الانحدار أن يصير التافه جزءاً من (الطبيعي) والعارف غريباً !
أن نصبح، نحن، المدافعين عن العمق، أقلية منسية وسط بحر من النكات والرقص والتفاهة المصمّمة بدقة ، لذلك أكتب الآن، لا دفاعاً عن زمن مضى، بل مقاومةً لحاضر يُزيف الوعي.
لا أقول امنعوا الحمقى من الكلام
بل قولوا الحقيقة كما هي: ليست كل الأصوات متساوية، وليست كل العقول تصلح أن تكون منارة.
إننا في مرحلة جديدة من التاريخ حيث صارت المنصات أشبه بالبارات، والتفاعل فيها لا يحتاج إلى وعي، بل إلى مؤثر بصري. في عالم كهذا، من السهل أن تصبح أضحوكة مؤثرة، ومن الصعب أن تكون حكيماً مسموعاً.
لكني سأقاوم. لأني أومن أن الزمن يعيد تصحيح نفسه.
وأن صدى الحكمة، وإن خفت، لا يموت. وأن لحظة الانتباه، وإن تأخرت، قادمة. نحن أبناء زمن الحبر لكننا نعرف أدوات الضوء. وسنكتب وسنتكلم وسنرفع أصواتنا، لا لننافسهم في الصراخ، بل لنُرشد السائرين في هذا الضجيج.
فلن يسكت الحكيم، حتى لو كان صوته أضعف من ضحكة الحمقى.
صعود الحمقى* د. محمد العرب
14
المقالة السابقة
