عروبة الإخباري –
في زمن التشابه… تُولد الندرة
في عالم تتكرر فيه الوجوه، وتُعاد فيه الحكايات بنفس النبرة، تبرز زلفا جورج عساف كصوت ناعم يخرق الصمت لا الصخب، وكحضور يُشبه القصيدة التي لا تُلقى بل تُعاش.
هي مزيجٌ نادر من الجمال والوعي، من الأنوثة والاحتراف، من الرقة التي تُجيد الصمود، ومن الحضور الذي لا يطلب الاعتراف لأنه يفرضه بلطفٍ نادر.
زلفا لا تُشبه أحدًا، ولا تُقلّد أحدًا. كل شيء فيها يحمل خصوصية: الكلمة، النظرة، الفكرة، وحتى الصمت.
إنها ليست مجرد مخرجة تسرد، بل امرأة تُعيد ترتيب معنى الحضور الأنثوي داخل المشهد الإعلامي والثقافي من دون أن تفقد هويتها أو أناقتها أو قناعاتها.
الحضور… حين يتكامل الجمال بالفكر
زلفا، لا تفرض نفسها على الشاشة، بل تنساب داخل الصورة كأنها جزء منها. حين تُطلّ، تُشبه لبنان في أجمل حالاته: أنوثة حاضرة، صوت دافئ، وقوة ناعمة لا تستعرض لكنها تُهيمن.
فيها ذلك النوع من الجاذبية الذي لا يُختزل في الشكل، بل ينبع من تكوين داخلي متماسك: أناقة لا تلهث خلف الموضة، بل تنبع من الذوق، وهدوء لا يهرب من الأسئلة، بل يواجهها برصانة وشفافية.
هي امرأة تقف بكل طاقتها، لكنها لا تصرخ لتُسمع، بل تُنصَت لها القلوب قبل الآذان، لأنها ببساطة صادقة، حقيقية، ونادرة.
الجوائز… لا تصنع مجدها، بل تُلاحقه
فزلفا لم تنتظر أن يُسلَّط الضوء عليها، بل كانت دائمًا مَن يشعل الضوء بكاميرتها، بقلمها، بصوتها الداخلي.
الجوائز والتكريمات التي حصدتها ليست بداية الحكاية، بل محطّات اعتراف بما سبقتها إليه من موهبة، وجهد، ورؤية جمالية عميقة:
جائزة التميز الإعلامي العربي لعام 2023 عن فيلم “أباطرة الصهاريج”، لم تكن مجرد جائزة، بل تكريسٌ لرؤية جعلت من الماء حكاية وطن، ومن معاناة الناس لوحة واقعية مرهفة.
المركز الأول في مسابقة “الإعلام والمرأة والسلام” عن فيلمها “محاربات من أجل السلام”، الذي قدّم النساء كمقاتلات للحياة لا للحرب، وكنسوة قادرات على التحوّل من الوجع إلى القوة بهدوء مؤلم وجميل.
حضورها الدولي في مؤتمرات نيويورك، وغيرها، لم يكن مجرّد تمثيل رمزي، بل امتداد لصوت أنثوي عربي يُطالب بالسلام لا بالشعارات، بل بصور ومشاهد تقطع أعمق من الكلمات.
الفن عندها… التزام بالجمال وبالحقيقة
زلفا لا تصنع أفلامًا، بل تبني عوالم صغيرة مدهشة، تُرينا أنفسنا، واقعنا، وتاريخنا من زوايا لم نجرؤ على النظر منها.
في “روح العصر”، أعادت إحياء المنمنمات الإسلامية لا كفنّ بصري فقط، بل كذاكرة حضارية تستحق أن تُروى بلغة حديثة.
في “محاربات من أجل السلام”، خرجت من خطاب الضحية التقليدي، وقدّمت المرأة كراوية وجدان الحرب، كضحية ومذنبة، كإنسانة تعيد بناء ذاتها بعيدًا عن العناوين الجاهزة.
وفي “أباطرة الصهاريج”، حملت الكاميرا كأنها تُفتّش عن الحقيقة في قاع الشاحنات، لتكشف بأناقة مؤلمة أن الماء في لبنان ليس فقط أزمة خدمات… بل مرآة لخلل في قيم الدولة، وفي عطش الإنسان للكرامة.
زلفا… أنوثة راقية وقوة هادئة
ما يُدهشك في زلفا جورج عساف أنها لا تُخفي أنوثتها خلف الفكر، ولا تُجمّل حضورها لتُقنعك به.
فيها ما يُشبه النساء في الأساطير: ناعمة كنسمة، قوية كصخرة، بسيطة كابتسامة، عميقة كغابة مشمسة.
أناقتها ليست من نوع يُستعرض على السجادة الحمراء، بل أناقة الفكر، ونبل اللغة، وسحر التوازن بين الشكل والمضمون.
تمشي بثقة، لا لأنها تبحث عن الإعجاب، بل لأنها تعرف من هي، وتعرف إلى أين تسير.
ختاماً، فإن زلفا عساف، لا تحتاج إلى كاميرا تُظهرها، لأنّ كل ما فيها يُضيء.
هي امرأة قرّرت أن تكون كل ما لا يُتوقع: أنثى راقية لا تتنازل، مخرجة لا تساوم، إنسانة لا تتقن إلا الصدق.
هي الذاكرة البصرية التي تمشي، الحكاية التي لا تتكرر، والصورة التي لا تُنسى.
زلفا ليست فقط من زمن نفتقده، بل من زمن يجب أن يعود… على يد نساء مثلها.
