بيتر رودجرز* – (ميدل إيست مونيتور) –
كانت لفشل ترامب في الحرب على الحوثيين واتفاق وقف إطلاق النار معهم تداعيات عميقة على مصداقية الولايات المتحدة ومكانة الحوثيين في اليمن. وقد أضعف الفشل موقف الولايات المتحدة الإقليمي والعالمي.
* * *
في ربيع العام 2025، أصبحت منطقة البحر الأحمر ساحة مواجهة مشحونة بين الولايات المتحدة وجماعة الحوثيين اليمنية -التي تعد جزءًا مما يُعرف بـ”محور المقاومة”- بعد أن كثّف الحوثيون هجماتهم على الملاحة الدولية. وأطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، متعهّدًا بإعادة فرض الردع وضمان حرية الملاحة، عملية عسكرية واسعة النطاق تحت اسم “عملية الفارس الخشن” ضد الحوثيين. وكان الهدف من هذه الحملة، التي تجاوزت تكلفتها مليار دولار وشملت مجموعات هجومية لحاملات طائرات وقاذفات (بي-2) وصواريخ متقدمة، هو شلّ القدرات العسكرية للحوثيين. مع ذلك، وبعد شهرين فقط من بدء العملية، أعلن ترامب بشكل مفاجئ في 6 أيار (مايو) 2025 عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع الحوثيين -وهو اتفاق تم التوصّل إليه فعليًا بتجاوز إسرائيل، وأفضى إلى إنهاء الصراع بين الولايات المتحدة واليمن.
الفشل العسكري والاستراتيجي
هدفت العملية العسكرية الأميركية، التي انطلقت في آذار (مارس) 2025، إلى تدمير ترسانة الحوثيين من الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنية التحتية العسكرية. لكن العملية فشلت -على الرغم من الإنفاق الضخم واستخدام الأسلحة الأكثر تطورًا- في تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وقد استهدفت “عملية الفارس الخشن” أكثر من 800 موقع، لكنها تركت تأثيرًا محدودًا على قدرات الحوثيين. بفضل منشآتهم المخبأة تحت الأرض والدعم الإيراني، لم يتمكن الحوثيون من النجاة من الهجمات فحسب، بل صعّدوا أيضًا هجماتهم على السفن التجارية والعسكرية. وقد شكل هذا الوضع التحدي الأكبر للهيمنة البحرية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية؛ حيث ازداد الحوثيون جرأة، واستهدفوا مرارًا حتى السفن الحربية الأميركية.
وترجع هذه الفاعلية المحدودة جزئيًا إلى اعتماد الولايات المتحدة على مقاربة مفرطة في العسكرة. ولم تكن المعالجة العسكرية وحدها كافية لحل أزمة البحر الأحمر التي تعود جذورها إلى التوترات الإقليمية والقضايا الداخلية في اليمن. كما أسهم غياب التنسيق مع الفاعلين الإقليميين، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة -اللتين كانتا جزءًا من التحالف المناهض للحوثيين- في فشل هذه الحملة. مثلما أخفقت “عملية حارس الازدهار” التي تم إطلاقها سابقًا في عهد بايدن في استعادة الثقة التجارية في طرق الشحن عبر البحر الأحمر، واجهت مقاربة ترامب الأكثر عدوانية المحددات نفسها. ولم تتمكن حملته، على الرغم من تصعيد الهجمات، من وقف عمليات الحوثيين بالكامل.
اتفاق وقف إطلاق النار: نموذج للفشل الاستراتيجي
في 6 أيار (مايو) 2025، أعلن دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستوقف حملتها الجوية على اليمن مقابل توقف الحوثيين عن استهداف السفن الأميركية. وتم التوصل إلى هذا الاتفاق بوساطة سلطنة عُمان، وتم تقديمه على أنه خطوة لخفض التصعيد، لكنه فُسّر سريعًا على أنه هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة. فعلى الرغم من توقف الحوثيين عن مهاجمة السفن الأميركية، واصلوا استهدافهم لإسرائيل، مما كشف حدود الاتفاق وأبرز غياب التنسيق مع إسرائيل؛ الحليف الرئيسي لواشنطن.
كان لافتًا بشكل خاص تجاوز إسرائيل ورئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، لدى اتخاذ هذا القرار. وقد فوجئت إسرائيل بالإعلان الذي تزامَن مع هجوم صاروخي شنه الحوثيون على مطار بن غوريون في تل أبيب، والذي أدى إلى رد إسرائيلي عسكري ضربَ ميناء الحديدة ومطار صنعاء. وعلى الرغم من تصوير ترامب للاتفاق على أنه “خروج من مستنقع اليمن”، فإنه لم ينهِ النزاع. ووصف عبد الملك الحوثي الاتفاق بأنه “هزيمة أميركية كبرى”، واعتبره نصرًا، بينما وصفت مجلة “الإيكونوميست” الاتفاق بأنه “صفقة فاوستية” عززت من سيطرة الحوثيين على اليمن.
أسباب الفشل
ثمة العديد من العوامل التي أسهمت في إفشال حرب ترامب ضد الحوثيين. أولًا، تجاهَل الاعتماد الأميركي المفرط على الحلول العسكرية التعقيدات الجيوسياسية للمنطقة. كما أن الحملة الجوية الأميركية أتاحت للدول الأوروبية والخليجية “ركوبًا مجانيًا”، حيث تحملت الولايات المتحدة العبء المالي والعسكري الأكبر. وأدى تردد الفاعلين الإقليميين في المشاركة، إلى جانب قدرة الحوثيين العالية على الصمود، إلى إطالة أمد الأزمة.
ثانيًا، لعب ضعف التنسيق الداخلي وسوء الإدارة العملياتية داخل إدارة ترامب دورًا رئيسيًا في الفشل. وكشفت التسريبات غير المقصودة لخطط عسكرية عبر تطبيق “سيغنال” عن خلل فاضح في التنسيق والأمن العملياتي. وقد أسهم هذا الحادث، إلى جانب تعيينات مثل بيت هيغسيث وزيرًا للدفاع، وهو المعروف بموقفه المتشدد، في ترسيخ نهج يغلب عليه الطابع العسكري على حساب الدبلوماسية.
ثالثًا، أسهم تجاهل الديناميات التجارية والاقتصادية أيضًا في فشل الحملة. لم يكن قرار شركات الشحن تجنب الملاحة في البحر الأحمر ناتجًا عن التهديدات الأمنية فحسب، وإنما نتج أيضًا عن انخفاض الطلب العالمي على السلع نتيجة سياسات ترامب التجارية. وأدى هذا إلى تقليص إلحاح الحاجة إلى استعادة حركة الملاحة في البحر الأحمر، وقوّض الأهداف المعلنة للحملة.
العواقب على الولايات المتحدة والحوثيين
كانت لفشل ترامب في الحرب واتفاق وقف إطلاق النار تداعيات عميقة على مصداقية الولايات المتحدة ومكانة الحوثيين في اليمن. من ناحية، أضعف الفشل موقف الولايات المتحدة الإقليمي والعالمي. وقد خرج الحوثيون أقوى بعد أن تمكنوا من استيعاب أكثر من 1.000 غارة جوية، مما ألقى بظلال من الشك على فعالية القوة العسكرية الأميركية. كما أثار الاستخدام المكثف للذخائر الموجهة بدقة -التي تعد أساسية في أي صراع محتمل مع الصين- مخاوف في أوساط القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
بالإضافة إلى ذلك، أدى قرار واشنطن تجاوز إسرائيل إلى تصعيد التوتر مع الحليف الرئيسي. وكشفت الضربات الانتقامية الإسرائيلية على اليمن، التي نُفذت من دون تنسيق مع الولايات المتحدة، عن وجود تصدعات داخل التحالف الإقليمي. كما زاد غياب الدور الأوروبي من عزلة الولايات المتحدة في مواجهة أزمة البحر الأحمر.
من الناحية الأخرى، عزز وقف إطلاق النار مكانة الحوثيين في اليمن وعلى مستوى المنطقة. وقد صوّروا الاتفاق على أنه انتصار، مما أسهم في ترسيخ سيطرتهم على مساحات واسعة من البلاد. وعكسَ استمرارهم في مهاجمة إسرائيل على الرغم من وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة طموحاتهم الإقليمية، وإصرارهم على لعب دور محوري في إعادة تشكيل المشهد في الشرق الأوسط -بل وحتى على المستوى العالمي. وقد أصبح من الواضح الآن أن الحوثيين قادرون، من دون شك، على تعطيل الاقتصاد العالمي من خلال تهديد طرق الملاحة في البحر الأحمر.
الخاتمة
تقدم حرب دونالد ترامب في العام 2025 ضد الحوثيين مثالًا نموذجيًا على الفشل الاستراتيجي في السياسة الخارجية الأميركية. لم يقتصر الأمر على أن الحملة العسكرية المكلفة، التي شُنت بهدف استعادة الردع وتأمين البحر الأحمر، فشلت في إضعاف الحوثيين فحسب، بل انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار كشف حدود القدرة الدبلوماسية والعسكرية للولايات المتحدة. وقد جسّد اتفاق وقف إطلاق النار في 6 أيار (مايو) 2025 -الذي أُبرم من دون تنسيق مع إسرائيل- هذا الفشل بشكل واضح؛ إنه لم يوقف هجمات الحوثيين على إسرائيل، وإنما زاد من تعزيز مكانتهم الإقليمية.
تُبرز جذور هذا الفشل -المبالغة في الاعتماد على القوة العسكرية، وضعف التنسيق الداخلي، وتجاهل الديناميات الجيوسياسية والاقتصادية- الحاجة الملحة إلى انتهاج استراتيجيات أوسع نطاقًا. فقد أضعفت الحرب مصداقية الولايات المتحدة وأرهقت مواردها العسكرية، في حين خرج الحوثيون أكثر قوة وثقة. وسيكون مستقبل أمن البحر الأحمر واستقرار اليمن مرهونين بقدرة المجتمع الدولي على صياغة مقاربة متعددة الأطراف تتجاوز الحلول العسكرية، وتحتضن الدبلوماسية والتعاون، وتأخذ الواقع الاقتصادي الإقليمي في الاعتبار. ومن دون هذا التحول، سيظل البحر الأحمر نقطة اشتعال وموطنًا لأزمة طويلة الأمد.
*بيتر رودجرز Peter Rodgers: كاتب ومحلل سياسي كندي يركز على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، خاصة في الشرق الأوسط. يتناول في كتاباته قضايا مثل العلاقات الأميركية-الإيرانية، ودور إسرائيل في السياسة الأميركية، والتغيرات الجيوسياسية في المنطقة. يُعرف بتحليلاته النقدية للسياسات الأميريية، خاصة فيما يتعلق بالتدخلات العسكرية والدعم غير المشروط لحلفاء مثل إسرائيل.
