عروبة الإخباري –
مع نهاية شهر أيار الجاري، يدخل تعديل قانون التنفيذ الأردني لعام 2022 حيّز التطبيق، منهياً فعلياً العمل بأحد أكثر أدوات الضغط القانونية حساسية في العلاقة بين الدائن والمدين: الحبس التنفيذي. ورغم ما تحمله هذه الخطوة من بُعد إنساني محمود، فإنها تفتح في المقابل أبوابًا واسعة من الجدل القانوني والاجتماعي، وتطرح تحديات جوهرية في مدى قدرة التشريعات على تحقيق التوازن الدقيق بين حماية المعسر وضمان الحقوق المالية للدائن، في ظل غياب بنى بديلة ناضجة وفاعلة.
تنص المادة 23 من القانون المعدل على منع الحبس في عدة حالات منها إذا كان الدين يقل عن 5 آلاف دينار، أو إذا كان المدين يعيل طفلًا، أو ثبت إعساره، أو كان مريضًا، أو تجمعه صلة قرابة معينة بالدائن. وتبدو هذه الاستثناءات منسجمة مع روح العدالة الاجتماعية، لكنها قد تتحول إلى مدخل واسع لاستغلال الثغرات القانونية ما لم تُضبط بتشريعات تطبيقية واضحة وآليات تحقق دقيقة.
يُطرح اليوم سؤال عميق حول مستقبل العلاقة بين السوق والضمانات، إذ إن غياب أداة الحبس دون بدائل تنفيذية فعّالة قد يُضعف الثقة بين المتعاملين، ويُثني الكثير من التجار عن البيع الآجل أو التقسيط، الأمر الذي قد يُسهم في مزيد من الانكماش الاقتصادي ويُفاقم الفجوة بين الفئات الاجتماعية. فالضمان القانوني لا يُعد عنصرًا ردعيًا فقط، بل ركيزة لاستقرار الأسواق وتعزيز الدورة المالية.
من زاوية أخرى، يُنتظر أن ينعكس هذا التعديل على عدد القضايا التنفيذية أمام المحاكم، وهو ما قد يُقلص من قدرة القضاء على ممارسة دوره في حماية الحقوق المالية. كما أن تداعياته ستمتد إلى مهنة المحاماة التي تعتمد بنسبة ليست بسيطة على قضايا التحصيل.
إن حماية كرامة المدين واجب أخلاقي وقانوني، لكن لا يجوز أن تُترَك حقوق الدائن عُرضة للضياع، أو أن تتحول النية الإصلاحية إلى عبء جديد على العدالة. ومن هنا، فإن تعزيز الشفافية التشريعية في هذه المرحلة يتطلب توفير أدوات تنفيذ بديلة تضمن الفاعلية والعدالة معًا، مثل تطوير آليات التسوية القضائية، وتوسيع الحجز على الأموال، ووضع برامج مراقبة مالية للمدينين المعسرين، وربما حتى التفكير في إنشاء صندوق ضمان خاص بالديون الصغيرة.
نحن بحاجة إلى قوانين لا تُكتب فقط بعيون العدالة الاجتماعية، بل بأدوات الشفافية، والرقابة، وقابلية التطبيق المتوازن. الإصلاح لا يكون بإلغاء أدوات إنفاذ القانون، بل ببناء منظومة متكاملة تحمي كرامة الفرد دون أن تفرّط بحقوق الآخرين.
هل تمتلك الدولة هذه المنظومة؟ هذا هو التحدي الحقيقي، وما نأمله أن لا يتحوّل المدين إلى ضحية جديدة، ولا الدائن إلى صيد سهل في فوضى حسن النية.
* المحامي طاهات – فرسان الشفافية/ مركز الشفافية الأردني
